والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ مَعَ ما بَعْدُ إمّا عَطْفٌ عَلى اَلْمَوْصُولِ اَلْأوَّلِ أوْ هو مَدْحٌ مَرْفُوعٌ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ كَأعْنِي أوْ أمْدَحُ، والواوُ اِعْتِراضِيَّةٌ كَما ذَكَرَهُ اَلرَّضِيُّ، وغَفَلَ أبُو اَلْبَقاءِ عَنِ اَلْواوِ فَلَمْ يَذْكُرِ اَلْعَطْفَ وذَكَرَ بَدَلَهُ اَلْبَدَلَ، وكَبائِرُ اَلْإثْمِ ما رُتِّبَ عَلَيْهِ اَلْوَعِيدُ أوْ ما يُوجِبُ اَلْحَدَّ أوْ كُلُّ ما نَهى اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ والفَواحِشُ ما فَحُشَ وعَظُمَ قُبْحُهُ مِنها، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالكَبائِرِ ما يَتَعَلَّقُ
صفحة 46
بِالبِدَعِ واسْتَخْراجِ اَلشُّبَهاتِ وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ اَلشَّهْوانِيَّةِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ اَلْغَضَبِيَّةِ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالإثْمِ اَلْجِنْسُ وإلّا لَقِيلَ اَلْآثامِ، ﴿وإذا﴾ ظَرْفٌ لَيَغْفِرُونَ و(هُمْ) مُبْتَدَأٌ لا تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ غَضِبُوا وجَوَّزَهُ في اَلْبَحْرِ وجُمْلَةُ يَغْفِرُونَ خَبَرُهُ وتَقْدِيمُهُ لِإفادَةِ اَلِاخْتِصاصِ لِأنَّهُ فاعِلٌ مَعْنَوِيٌّ، واخْتِصاصُهم بِاعْتِبارِ أنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإنَّ اَلْمَغْفِرَةَ حالَ اَلْغَضَبِ عَزِيزَةُ اَلْمِثالِ، وفي اَلْآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّهم يَغْفِرُونَ قَبْلَ اَلِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ (هُمْ) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ اِنْفَصَلَ اَلضَّمِيرُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ أبُو اَلْبَقاءِ (إذا) شَرْطِيَّةً وجُمْلَةَ (هم يَغْفِرُونَ) جَوابًا لَها، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ اَلْفاءَ حِينَئِذٍ ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في اَلشِّعْرِ، وتَقَدَّمَ لَكَ آنِفًا ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَبِيرَ اَلْإثْمِ) بِالإفْرادِ لِإرادَةِ اَلْجِنْسِ أوِ اَلْفَرْدِ اَلْكامِلِ مِنهُ وهو اَلشِّرْكُ، ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولا يَلْزَمُ اَلتَّكْرارُ لِأنَّ اَلْمُرادَ اَلِاسْتِمْرارُ والدَّوامُ