﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِها ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ ﴿فَقالَ﴾ لَهم ﴿إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَيْكم وأُرِيدَ بِاقْتِصاصِ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإبْطالُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مَعَ عَدَمِ زَخارِفِ اَلدُّنْيا لَدَيْهِ كانَ لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وهو مَلِكٌ جَبّارٌ ما كانَ وقَدْ أيَّدَهُ اَللَّهُ سُبْحانَهُ بِوَحْيِهِ وما أنْزَلَ عَلَيْهِ، والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلى اَلتَّوْحِيدِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إجْماعِ جَمِيعِ اَلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلَيْهِ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ مُناسَبَةِ اَلْآياتِ لِما قَبْلَها، وقالَ أبُو حَيّانَ: مُناسَبَتُها مِن وجْهَيْنِ. اَلْأوَّلُ أنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ قَوْلَ اَلْمُشْرِكِينَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ﴾ إلَخْ وفِيهِ زَعْمٌ أنَّ اَلْعِظَمَ بِالجاهِ والمالِ وأُشِيرَ في هَذِهِ اَلْآياتِ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ سَبَقَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ إلَخْ فَهو قُدْوَتُهم في ذَلِكَ وقَدِ اِنْتُقِمَ مِنهُ فَكَذَلِكَ يُنْتَقَمُ مِنهُمْ، اَلثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿واسْألْ﴾ إلَخْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا قِصَّةَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ وهُما أكْثَرُ أتْباعًا مِمَّنْ سَبَقَ
صفحة 87
مِنَ اَلْأنْبِياءِ وكُلٌّ جاءَ بِالتَّوْحِيدِ فَلَمْ يَكُنْ فِيما جاءا بِهِ إباحَةُ اِتِّخاذِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كَما اِتَّخَذَتْ قُرَيْشٌ فَناسَبَ ذِكْرُ قِصَّتِهِما اَلْآيَةَ اَلَّتِي قَبْلَها.