﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَهم ﴿مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ (تَدْعُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ والتَّخْفِيفِ؛ والسِّلْمِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِها وشَدِّ اَلدّالِ ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ، وقُيِّدَ بِها لِأنَّ اَلشَّهادَةَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَشْهُودِ بِهِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وجَمَعَ اَلضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ اَلْإفْرادَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والمُرادُ بِهِ اَلْمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ وأضْرابُهم صَلاةُ اَللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مُتَّصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِاَلَّذِينِ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كُلُّ ما يُعْبَدُ مَن دُونِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُنْفَصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ اَلْأصْنامُ فَقَطْ، وقِيلَ: هو مُنْفَصِلٌ مُطْلَقًا وعُلِّلَ بِأنَّ اَلْمُرادَ نَفْيُ مُلْكِ اَلْآلِهَةِ اَلْباطِلَةِ اَلشَّفاعَةَ لِلْكَفَرَةِ ومَن شَهِدَ بِالحَقِّ مِنها لا يَمْلِكُ اَلشَّفاعَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ اَلتَّعْمِيمِ: ولا يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَهم مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كائِنِينَ ما كانُوا اَلشَّفاعَةَ لَهم لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَمْلِكُ اَلشَّفاعَةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فالكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: ما جاءَ اَلْقَوْمُ إلَيَّ إلّا زَيْدًا جاءَ إلى عَمْرٍو فَتَأمَّلْ.
وقالَ مُجاهِدٌ. وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِمَن شَهِدَ بِالحَقِّ اَلْمَشْفُوعُ فِيهِمْ، وجَعَلَ اَلِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ مُتَّصِلًا والمُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَمْلِكُ هَؤُلاءِ اَلْمَلائِكَةُ وأضْرابُهُمُ اَلشَّفاعَةَ في أحَدٍ إلّا فِيمَن وحَّدَ عَنْ إيقانٍ وإخْلاصٍ
صفحة 108
ومِثْلُهُ في حَذْفِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ:نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشَرْقَةٍ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنُ سَيْفٍ ومِئْزَرا
أيْ ولَمْ يَنْجُ شَيْءٌ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اَلْعِلْمَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في اَلشَّهادَةِ دُونَ اَلْمُشاهَدَةِ.