You are reading tafsir of 8 ayahs: 44:9 to 44:16.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ في ارْتَقِبْ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ فانْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ بِهَؤُلاءِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٤٧)الثّانِي: مَعْناهُ فاحْفَظْ يا مُحَمَّدُ قَوْلَهم هَذا لِتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحافِظُ رَقِيبًا، قالَ الأعْشى
؎ عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حافِظٌ فَقُلْ في امْرِئٍ غِلْقٍ مُرْتَهِنٍ
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: ما أصابَ أهْلَ مَكَّةَ مِن شِدَّةِ الجُوعِ حَتّى صارَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في إبْطائِهِمْ عَنِ الإيمانِ وقَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى، فَقالَ: « (اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ)» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والدُّخانُ الجَدْبُ.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها الدُّخانُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ السَّماءُ الغُيُومَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأعْرَجِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دُخانٌ يَهِيجُ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْخُذُ المُؤْمِنَ مِنهُ كالزَّكْمَةِ، ويَنْفُخُ الكافِرَ حَتّى يَخْرُجَ مِن كُلِّ مَسْمَعٍ مِنهُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ الدُّخانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الجُوعُ: قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ وهَذا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ تَكُنْ مَكَّةُ مِن بِلادِ الثَّلْجِ غَيْرَ أنَّهُ مَقُولٌ فَحَكَيْناهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أيْ عائِدُونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ.
الثّانِي: إلى الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
فَلَمّا كُشِفَ ذَلِكَ عَنْهم بِاسْتِسْقاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهم عادُوا إلى تَكْذِيبِهِ. (p-٢٤٨)
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ والبَطْشَةُ الكُبْرى هي العُقُوبَةُ الكُبْرى، وفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القَتْلُ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها قِيامُ السّاعَةِ لِأنَّها خاتِمَةُ بَطَشاتِهِ في الدُّنْيا.
﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ مِن أعْدائِنا.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَ النِّقْمَةِ والعُقُوبَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ العُقُوبَةَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ لِأنَّها مِنَ العاقِبَةِ، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ قَبْلَها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ العُقُوبَةَ قَدْ تَكُونَ في المَعاصِي، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ في خَلْقِهِ لِأجْلِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ العُقُوبَةَ ما تَقَدَّرَتْ، والِانْتِقامُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.