وَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَنَحْنُ أيْضًا نُكَلِّمُهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ؟! فَنَزَلَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ﴾ أيْ: نِساءِ المُؤْمِناتِ،
﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْهِنَّ في ألّا يَحْتَجِبْنَ مِن هَؤُلاءِ، ولَمْ يَذْكُرِ العَمَّ، والخالَ، لِأنَّهُما يُجْرَيانِ مُجْرى الوالِدَيْنِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ العَمِّ أبًا، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وإسْماعِيلُ عَمُّ يَعْقُوبَ.
وَعَبِيدُهُنَّ، عِنْدَ الجُمْهُورِ كَأجانِبَ، ثُمَّ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وفي هَذا النَقْلِ فَضْلُ تَشْدِيدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿واتَّقِينَ اللهَ﴾، فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ مِنَ الِاحْتِجابِ، وأنْزِلُ فِيهِ الوَحْيِ مِنَ الِاسْتِتارِ، واحْتَطْنَ فِيهِ،
﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، عالِمًا، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: "اَلشَّهِيدُ": اَلَّذِي يَعْلَمُ خَطَراتِ القُلُوبِ، كَما يَعْلَمُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ.