﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا﴾، أمَلْناهم إلَيْكَ، وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ، و"اَلنَّفَرُ": دُونَ العَشْرَةِ،
﴿مِنَ الجِنِّ﴾، جِنِّ نَصِيبِينَ،
﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾، مِنهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -،
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ: الرَسُولَ ﷺ، أوِ القُرْآنَ، أيْ: كانُوا مِنهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ،
﴿قالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ،
﴿أنْصِتُوا﴾، اُسْكُتُوا مُسْتَمِعِينَ، رُوِيَ «أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَمْعَ، فَلَمّا حُرِسَتِ السَماءُ ورُجِمُوا بِالشُهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا لِنَبَإٍ حَدَثَ، فَنَهَضَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، أوْ تِسْعَةٌ، مِن أشْرافِ جِنِّ (p-٣١٨)نَصِيبِينَ، أوْ نِينَوى، مِنهم زَوْبَعَةٌ، فَضَرَبُوا حَتّى بَلَغُوا تِهامَةَ ثُمَّ انْدَفَعُوا إلى وادِي نَخْلَةَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وهو قائِمٌ في جَوْفِ اللَيْلِ يُصَلِّي، أوْ في صَلاةِ الفَجْرِ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، » وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: « "ما قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى الجِنِّ، ولا رَآهُمْ، وإنَّما كانَ يَتْلُو في صَلاتِهِ، فَمَرُّوا بِهِ، فَوَقَفُوا مُسْتَمِعِينَ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللهُ بِاسْتِماعِهِمْ"، » وقِيلَ: بَلِ اللهُ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ، ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ، فَصَرَفَ إلَيْهِ نَفَرًا مِنهُمْ، فَقالَ: « "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ اللَيْلَةَ، فَمَن يَتْبَعُنِي؟"، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، قالَ: "لَمْ يَحْضُرْهُ لَيْلَةَ الجِنِّ أحَدٌ غَيْرِي، فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا بِأعْلى مَكَّةَ في شِعْبِ الحَجُونِ، فَخَطَّ لِي خَطًّا، وقالَ: "لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ"، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ، وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا، فَقالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا؟"، قُلْتُ: نَعَمُ، رِجالًا سُودًا، فَقالَ: "أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا"، » والسُورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أيْ: فَرَغَ النَبِيُّ ﷺ مِنَ القِراءَةِ،
﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، إيّاهم.