﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ: نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، ومَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ،
﴿بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾، مَوَدَّةً، ولِينًا،
﴿وَرَحْمَةً﴾، تَعَطُّفًا عَلى إخْوانِهِمْ، كَما قالَ في صِفَةِ أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾، هي تَرَهُّبُهم في (p-٤٤٣)الجِبالِ، فارِّينَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِينِ، مُخْلِصِينَ أنْفُسَهم لِلْعِبادَةِ، وهي الفَعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرَهْبانِ، وهو الخائِفُ، "فَعْلانُ"، مِن "رَهِبَ"، كَـ "خَشْيانُ"، مِن "خَشِيَ"، وانْتِصابُها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: "وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها"، أيْ: أخْرَجُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ونَذَرُوها،
﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، لَمْ نَفْرِضْها نَحْنُ عَلَيْهِمْ،
﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾، اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ،
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، كَما يَجِبُ عَلى الناذِرِ رِعايَةُ نَذْرِهِ، لِأنَّهُ عَهْدٌ مَعَ اللهِ لا يَحِلُّ نَكْثُهُ،
﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ الرَأْفَةِ والرَحْمَةِ، الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، أوِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، كافِرُونَ.