You are reading tafsir of 2 ayahs: 26:190 to 26:191.
(p-٤٦٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٠ - ١٩١] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ أيْ: عَلى أخْذِ العُصاةِ بِمُقْتَضى أعْمالِهِمْ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] أيِ: الغالِبُ عَلى تَعْذِيبِ مَن شاءَ بِما شاءَ، الرَّحِيمُ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ، في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها، ما كَرَّرَ؟ قُلْتُ: كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ. وفِيها مِن الِاعْتِبارِ مِثْلَ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ في أنْ تُفْتَتَحَ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ. ولِأنَّ في التَّكْرِيرِ تَقْرِيرًا لِلْمَعانِي في الأنْفُسِ، وتَثْبِيتًا لَها في الصُّدُورِ. ألا تَرى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحَفُّظِ العُلُومِ إلّا تَرْدِيدُ ما يُرادُ تَحَفُّظُهُ مِنها؟
وكُلَّما زادَ تَرْدِيدُهُ كانَ أمْكَنَ لَهُ في القَلْبِ، وأرْسَخَ في الفَهْمِ، وأثْبَتَ لِلذِّكْرِ، وأبْعَدَ مِنَ النِّسْيانِ. ولِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ طُرِقَتْ بِها آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَكُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ. لَعَلَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ أُذُنًا، أوْ يَفْتُقُ ذِهْنًا، أوْ يَصْقُلُ عَقْلًا طالَ عَهْدُهُ بِالصَّقْلِ أوْ يَجْلُو فَهْمًا قَدْ غَطّى عَلَيْهِ تَراكُمُ الصَّدَأِ. وقَوْلُهُ تَعالى: