القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ .
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ أيِ: اَلشَّرَفَ والرِّفْعَةَ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِن عِنْدِهِ، بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ومُوالاةِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، والتَّأسِّي بِهِمْ في اَلصَّلاحِ والإصْلاحِ، والصَّبْرِ والثَّباتِ، واطِّراحِ كُلِّ مَلامَةٍ رَغْبَةً في اَلْحَقِّ وعَمَلًا بِالصِّدْقِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] وكَآيَةِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وهو اَلدّاعِي إلى اَلْحَقِّ والإصْلاحِ، والمُنَبِّهُ عَلى سُبُلِ اَلضَّلالِ والفَسادِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أيْ: يَرْفَعُ اَلْكَلِمُ اَلْعَمَلَ اَلصّالِحَ، عَلى أنْ يَكُونَ اَلْمُسْتَكِنُ لِلْكَلِمِ، إشارَةً إلى أنَّ اَلْعَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالكَلِمِ اَلْمُؤَثِّرَ في إبْلاغِ دَعْوَةِ اَلْخَيْرِ. والضَّمِيرُ اَلْمُسْتَتِرُ لِلْعَمَلِ، والبارِزُ لِلْكَلِمِ؛ أيْ: يَكُونُ اَلْعَمَلُ (p-٤٩٧٦)اَلصّالِحُ مُوجِبًا لِرَفْعِها وقَبُولِها لِأنَّهُ يُحَقِّقُها ويُصَدِّقُها، كَما قالَ تَعالى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: اَلْأعْمالَ اَلسَّيِّئَةَ اَلْمُفْسِدَةَ لِصَلاحِ اَلْأُمَّةِ وقِيامِ عُمْرانِها: ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ أيْ: يَضْمَحِلُّ؛ لِأنَّ اَلْحَقَّ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ.