القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦٠ ] ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ .
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِنَ (اَلْمُحْضَرِينَ)، اَلَّذِينَ هُمُ اَلْجِنَّةُ، مُتَّصِلٌ عَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ، أيِ: اَلْمُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، ومُنْقَطِعٌ عَلى اَلثّانِي، أوِ اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ( واوِ) يَصِفُونَ. هَذا وبَقِيَ وجْهٌ في اَلْآيَةِ لَمْ يَذْكُرُوهُ، وهو أنْ يُرادَ بِالنَّسَبِ اَلْمُناسِبَةُ، والمُشاكَلَةُ في اَلْعِبادَةِ، ويُرادَ بِالجِنَّةِ اَلْمَلائِكَةُ، ويَكُونَ اَلْمُرادُ مِنَ اَلْآيَةِ اَلْإخْبارَ عَمَّنْ عَبَدَ اَلْمَلائِكَةَ مِنَ اَلْعَرَبِ وجَعَلُوهم نِدًّا ومَثَلًا لَهُ تَعالى، وحِكايَةً لِضَلالٍ آخَرَ لَهُمْ، غَيْرِ ضَلالِ دَعْواهُمْ، أنَّهم بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن عِبادَتِهِمْ لَهُمْ، مَعَ أنَّهم عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ اَلضّالِّينَ مُحْضَرُونَ في اَلْعَذابِ. والآيَةُ في هَذا كَآيَةِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وكانَ اَلسِّياقُ مِن هُنا إلى آخِرَ، كالسِّياقِ في طَلِيعَةِ اَلسُّورَةِ، كُلُّهُ في تَقْرِيرِ عُبُودِيَّةِ اَلْمَلائِكَةِ لَهُ تَعالى، وكَوْنِها مِن مَخْلُوقاتِهِ اَلصّافَّةِ لِعِبادَتِهِ، فَأنّى تَسْتَحِقُّ اَلرُّبُوبِيَّةَ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ: