القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ ﴿مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً، كَعادٍ وفِرْعَوْنَ وثَمُودَ، ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ: فَضَرَبُوا فِيها وسارُوا وطافُوا أقاصِيها. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ
﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ كانَ لَهم -بِتَنْقِيبِهِمْ في البِلادِ- بَطْشًا عَنِ الهَلاكِ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ لِتَكْذِيبِهِمُ الحَقَّ. والضَّمِيرُ عَلى هَذا في " نَقَّبُوا " لِلْقَرْنِ الَّذِينَ هم أشَدُّ بَطْشًا، وجُوِّزَ عَوْدُهُ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، أيْ: سارُوا في أسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ، فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يَتَوَقَّعُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ؟
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَرَأتِ القُرّاءُ قَوْلَهُ ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ القافِ، عَلى وجْهِ (p-٥٥١٥)الخَبَرِ عَنْهم. وذُكِرَ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بِكَسْرِ القافِ، عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: طَوِّفُوا في البِلادِ وتَرَدَّدُوا فِيها، فَإنَّكم لَنْ تَفُوتُونا بِأنْفُسِكم.