القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ أيْ: زُجِرَ عَنِ الإنْذارِ والتَّبْلِيغِ بِشِدَّةٍ وقَساوَةٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ: افْتَعَلَ.
قالَ النّاصِرُ: ولَيْسَ قَوْلُهُ " فَكَذَّبُوا " الثّانِي تَكْرارًا، لِأنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، والثّانِي مُقَيَّدٌ. وهو كَقَوْلِهِ في السُّورَةِ ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] فَإنَّ تَعاطِيَهُ هو نَفْسُ عُقْرِهِ، ولَكِنْ ذَكَرَهُ مِن جِهَةِ عُمُومِهِ، ثُمَّ مِن ناحِيَةِ خُصُوصِهِ إسْهابًا، وهو بِمَثابَةِ ذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ. وجَوابٌ آخَرُ هُنا، (p-٥٥٩٨)وهُوَ أنَّ المُكَذِّبَ أوَّلًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ نُوحٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ نُوحًا، ثُمَّ جاءَ بِتَكْذِيبِهِمْ ثانِيًا مُضافًا إلى قَوْلِهِ " عَبْدَنا " فَوَصَفَ نُوحًا بِخُصُوصِ العُبُودِيَّةِ، وأضافَهُ إلَيْهِ إضافَةَ تَشْرِيفٍ؛ فالتَّكْذِيبُ المُخْبَرُ عَنْهُ ثانِيًا أبْشَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَذْكُورِ أوَّلًا، لِتِلْكَ اللَّمْحَةِ. انْتَهى.