القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ ] ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآياتُ بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ، بَلْ هي الحَقُّ المُبِينُ والشِّفاءُ لِما في الصُّدُورِ ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: غَطّى عَلى مَدارِكِهِمْ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الآثامِ حَتّى كَدَّرَ جَوْهَرَها وصارَ صَدَأً عَلَيْها بِالرُّسُوخِ فِيها. و(الرَّيْنُ) أصْلٌ مَعْناهُ الصَّدَأُ والوَسَخُ القارُّ، شُبِّهَ بِهِ حُبُّ المَعاصِي الرّاسِخُ في النَّفْسِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَحْصُلُ مِن تَكْرارِ الفِعْلِ مَلَكَةٌ راسِخَةٌ لا تَقْبَلُ الزَّوالَ، وصِفَةٌ لِلنَّفْسِ قارَّةٌ فِيها؛ فَبِكَثْرَةِ المَعاصِي يُرَسَّخُ حُبُّها في القَلْبِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ، كالصَّدَأِ الَّذِي لا يَزُولُ بِسُهُولَةٍ. قالَ في (الأساسِ): الرّانُ ما غَطّى القَلْبَ ورَكِبَهُ مِنَ القَسْوَةِ لِلذَّنْبِ بَعْدَ الذَّنْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: (رانَ عَلَيْهِ الشَّرابُ والنُّعاسُ)، و: (رانَ بِهِ)، إذا غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ، و: (رِينَ بِفُلانٍ)، ونَظِيرُهُ الغَيْنُ.