القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ ] ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا) ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلا يَرَوْنَهُ ولا يَرَوْنَ شَيْئًا مِن كَرامَتِهِ يَصِلُ إلَيْهِمْ، فَهم مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وعَنْ كَرامَتِهِ. وتَخْصِيصُ الحَجْبِ بِهَؤُلاءِ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهم غَيْرُ مَحْجُوبٍ فَيَراهُ اللَّهُ تَعالى ويَرى كَرامَتَهُ. قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ الحِجابُ هو السّاتِرَ مِن سِتارَةِ بَزٍّ وغَيْرِها، اسْتُعِيرَ تارَةً لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَحْجُوبَ لا يَرى ما حُجِبَ، وتارَةً لِلْإهانَةِ؛ لِأنَّ الحَقِيرَ يُحْجَبُ ويُمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الرُّؤَساءِ؛ لِذا قالَتِ العَرَبُ: النّاسُ ما بَيْنَ مَرْحُوبٍ ومَحْجُوبٍ، أيْ: مُعَظَّمٍ ومُهانٍ. وهو بِمَعانِيهِ مُحالٌ أنْ يَتَّصِفَ اللَّهُ بِهِ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى، كَما صَرَّحُوا بِهِ، وإنَّما يُوصَفُ بِهِ الخَلْقُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَإذا أُجْرِيَ عَلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، فَهو وصْفٌ سَبَبِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ. بَلِ التَّشْبِيهُ لِلْخَلْقِ.
(p-٦٠٩٧)