قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ الآياتِ.
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْها في سُورَةِ ”الحَجِّ“ وفي غَيْرِها، وتَكَلَّمْنا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩ - ١٢٧ - ١٤٥ - ١٦٤ - ١٨٠] في قِصَّةِ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ. وبَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] .
⁕ ⁕ ⁕
* قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):صفحة ٣٥٨
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِسُورَةُ الشُّعَراءِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمَ نُوحٍكَذَّبُوا جَماعَةً مِنَ المُرْسَلِينَ بِدَلِيلِ صِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ”المُرْسَلِينَ“ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وأنَّهم إنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا وهو نُوحٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٦ - ١١٧] .
والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، لَمّا كانَتْ دَعْوَتُهم واحِدَةً وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، صارَ مُكَذِّبُ واحِدٍ مِنهم مُكَذِّبًا لِجَمِيعِهِمْ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٦]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُكَذِّبَ بَعْضِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلْجَمِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] .
وَيَأْتِي مِثْلُ هَذا الإشْكالِ، والجَوابُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ﴾ إلى آخِرِهِ [الشعراء: ١٢٣ - ١٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٤٢] .
وَكَذَلِكَ في قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ، عَلى الجَمِيعِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.