قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . أثْنى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِذِكْرِهِمُ اللَّهَ كَثِيرًا، وهَذا الَّذِي أثْنى عَلَيْهِمْ بِهِ هُنا مِن كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، أمَرَ بِهِ في آياتٍ أُخَرَ، وبَيَّنَ جَزاءَهُ؛ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٢] وقالَ تَعالى: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] .* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢] في آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .* * *
صفحة ١٠٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . المُنْقَلَبُ هُنا المَرْجِعُ والمَصِيرُ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ الفِعْلَ إذا زادَ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ كانَ كُلٌّ مِن مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ، واسْمِ مَكانِهِ، واسْمِ زَمانِهِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ.والمَعْنى: وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ، وأيَّ مَصِيرٍ يَصِيرُونَ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ الظّالِمِينَ سَيَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعَ الَّذِي يَرْجِعُونَ، أيْ: يَعْلَمُونَ العاقِبَةَ السَّيِّئَةَ الَّتِي هي مَآلُهم ومَصِيرُهم ومَرْجِعُهم، جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٣ - ٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَوْلُهُ: ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ﴾، ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾، ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، لِقَوْلِهِ: وسَيَعْلَمُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: و أيَّ مَنصُوبُ يَنْقَلِبُونَ، وهو بِمَعْنى المَصْدَرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ سَيَعْلَمُ، لِأنَّ أيًّا وسائِرَ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها فِيما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ، قالَ النَّحّاسُ: وحَقِيقَةُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مَعْنًى وما قَبْلَهُ مَعْنًى آخَرُ، فَلَوْ عَمِلَ فِيهِ ما قَبْلَهُ لَدَخَلَ بَعْضُ المَعانِي في بَعْضٍ، انْتَهى مِنهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.