قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ دَمَّرَ جَمِيعَ قَوْمِ صالِحٍ، ومِن جُمْلَتِهِمْ تِسْعَةُ رَهْطٍ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، أيْ: وهم قَوْمُ صالِحٍ ثَمُودَ، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾، أيْ: خالِيَةً مِنَ السُّكّانِ لِهَلاكِ جَمِيعِ أهْلِها، ﴿بِما ظَلَمُوا﴾، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو كُفْرُهم وتَمَرُّدُهم وقَتْلُهم ناقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها آيَةً لَهم، وقالَ بَعْضُهم: ﴿خاوِيَةً﴾، أيْ: ساقِطًا أعْلاها عَلى أسْفَلِها.
الثّانِي: أنَّهُ جَلَّ وعَلا جَعَلَ إهْلاكَهُ قَوْمَ صالِحٍ آيَةً، أيْ: عِبْرَةً يَتَّعِظُ بِها مَن بَعْدَهم، فَيَحْذَرُ مِنَ الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ التَّدْمِيرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْجى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِنَ الهَلاكِ والعَذابِ، وهو نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ ومَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرَها جَلَّ وعَلا هُنا، جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ أُخَرَ.
أمّا إنْجاؤُهُ نَبِيَّهُ صالِحًا، ومَن آمَنَ بِهِ وإهْلاكَهُ ثَمُودَ، فَقَدْ أوْضَحَهُ جَلَّ وعَلا في
صفحة ١٢١
مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٦ ] - ٦٨] . وآيَةُ ”هُودٍ“ هَذِهِ، قَدْ بَيَّنَتْ أيْضًا التَّدْمِيرَ المُجْمَلَ في آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ، فالتَّدْمِيرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، بَيَّنَتْ آيَةُ ”هُودٍ“ أنَّهُ الإهْلاكُ بِالصَّيْحَةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: وهم مَوْتى. وأمّا كَوْنُهُ جَعَلَ إهْلاكَهُ إيّاهم آيَةً، فَقَدْ أوْضَحَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٧ - ١٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: إنّا دَمَّرْناهم بِكَسْرَةِ هَمْزَةِ إنّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وهم: عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾، بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنّا. وفي إعْرابِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنَّ وصِلَتِها عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ أوْجُهٌ، مِنها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ، ومِنها: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وتَقْدِيرُهُ هي، أيْ: عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ تَدْمِيرُنا إيّاهم.وَهَذانِ الوَجْهانِ هُما أقْرَبُ الأوْجُهِ عِنْدِي لِلصَّوابِ، ولِذا تَرَكْنا غَيْرَهُما مِنَ الأوْجُهِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مَكْرِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: دَمَّرْناهم، راجِعٌ إلى التِّسْعَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٨] وقَوْلُهُ: خاوِيَةً حالٌ في بُيُوتِهِمْ، والعامِلُ فِيهِ الإشارَةُ الكامِنَةُ في مَعْنى تِلْكَ.