* قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْرِفِينَ لَيْسَ لَهم أنْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] .
والجَوابُ أنَّ الإسْرافَ يَكُونُ بِالكُفْرِ ويَكُونُ بِارْتِكابِ المَعاصِي دُونَ الكُفْرِ، فَآيَةُ ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ في الإسْرافِ الَّذِي هو كُفْرٌ.
وَآيَةُ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في الإسْرافِ بِالمَعاصِي دُونَ الكُفْرِ، ويُجابُ أيْضًا بِأنَّهُ آيَةُ: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ فِيما إذا لَمْ يَتُوبُوا، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ فِيما إذا تابُوا.
والأمْرُ الثّانِي: أنَّها دَلَّتْ عَلى غُفْرانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُغْفَرُ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى.
والجَوابُ أنَّ آيَةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، مُخَصِّصَةٌ لِهَذِهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾
صفحة ٣٨١
[الزمر: ٥٤]، فَإنَّهُ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ كَثِيرٍ.