قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ خَلَقَ بَنِي آدَمَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ هي أبُوهم
صفحة ٣٥٤
آدَمُ، ثُمَّ جَعَلَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ، زَوْجَها يَعْنِي حَوّاءَ. أيْ: وبَثَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ مِنهُما، وأوْضَحَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقَوْلِهِ في الأعْرافِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٩]، وتَأْنِيثُ الوَصْفِ، بِقَوْلِهِ واحِدَةٍ، مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ مُذَكَّرٌ، وهو آدَمُ نَظَرًا إلى تَأْنِيثِ لَفْظِ النَّفْسِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مُذَكَّرًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ:أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى وأنْتَ خَلِيفَةُ ذاكَ الكَمالِ
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذِهِ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ بِنَصِّ القُرْآنِ العَظِيمِ، في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحَجِّ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥] وبَيَّنّا هُناكَ المُرادَ بِالظُّلُماتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ هُنا.