Adwa' Al-Bayan

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Adwa' Al-Bayan tafsir for Surah Fussilat — Ayah 3

كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ .

(كِتابٌ) خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا كِتابٌ، والكِتابُ فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَكْتُوبٌ.

وَإنَّما قِيلَ لَهُ (كِتابٌ) لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] .

وَمَكْتُوبٌ أيْضًا في صُحُفٍ عِنْدَ المَلائِكَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] .

وَقالَ تَعالى في قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِما تَضَمَّنَتْهُ الصُّحُفُ المَكْتُوبُ فِيها القُرْآنُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ التَّفْصِيلُ ضِدُّ الإجْمالِ، أيْ فَصَّلَ اللَّهُ آياتِ هَذا القُرْآنِ، أيْ بَيَّنَها وأوْضَحَ فِيها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ودُنْياهم.

والمُسَوِّغُ لِحَذْفِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ هو العِلْمُ بِأنَّ تَفْصِيلَ آياتِ هَذا القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ وحْدَهُ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَفْصِيلِ آياتِ هَذا الكِتابِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، مُبَيَّنًا فِيها أنَّ اللَّهَ فَصَّلَهُ عَلى عِلْمٍ مِنهُ، وأنَّ الَّذِي فَصَّلَهُ حَكِيمٌ خَبِيرٌ، وأنَّهُ فَصَّلَهُ لِيَهْدِيَ

صفحة ٤

بِهِ النّاسَ ويَرْحَمَهم، وأنَّ تَفْصِيلَهُ شامِلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١١١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]،

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾

قَوْلُهُ: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ وعَلى الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في القُرْآنِ في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] أيْ فُصِّلَتْ آياتُهُ في حالِ كَوْنِهِ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) .

وَإنَّما خَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِهِ، كَما خَصَّهم بِتَفْصِيلِ الآياتِ في سُورَةِ ”يُونُسَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧ - ٩٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ تَخْصِيصِ المُنْتَفِعِينَ بِالأمْرِ المُشْتَرَكِ دُونَ غَيْرِهِمْ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ١٨] وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ تَخْصِيصَهم بِالإنْذارِ دُونَ غَيْرِهِمْ في آيَةِ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى في ”يس“: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١]،

• وقَوْلِهِ في النّازِعاتِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]،

• وقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“ ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾

صفحة ٥

الآيَةَ [الأنعام: ٥١] . مَعَ أنَّ أصْلَ الإنْذارِ عامٌّ شامِلٌ لِلْمَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .

وَإنَّما خَصَّ المَذْكُورِينَ بِالإنْذارِ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالإنْذارِ، ومَن لَمْ يُنْذَرْ أصْلًا - سَواءٌ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤] حالٌ بَعْدَ حالٍ. وقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ وبَعْضَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ٢]، وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ .

قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَهم لا يَسْمَعُونَ أيْ لا يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ وانْتِفاعٍ.

وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] .