قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ إذا أنْزَلَ سُورَةً مُحْكَمَةً، أيْ مُتْقَنَةَ الألْفاظِ والمَعانِي، واضِحَةَ الدَّلالَةِ، لا نَسْخَ فِيها وذَكَرَ فِيها وُجُوبَ قِتالِ الكُفّارِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ، كَوْنُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أيْ شَكٌّ ونِفاقٌ، يَنْظُرُونَ كَنَظَرِ الإنْسانِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ المَوْتِ، لِأنَّ نَظَرَ مَن كانَ كَذَلِكَ تَدُورُ فِيهِ عَيْنُهُ ويَزِيغُ بَصَرُهُ.
صفحة ٢٥٦
وَهَذا إنَّما وقَعَ لَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ مِن بَأْسِ الكَفّارِ المَأْمُورِ بِقِتالِهِمْ.وَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأغْنِياءَ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذا أنْزَلَ اللَّهُ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالجِهادِ، اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٦] .