قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ.
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِن مَبْحَثٍ أُصُولِيٍّ، وهو الأمْرُ بَعْدَ الحَظْرِ وأصَحُّ ما فِيهِ أنَّهُ يُرَدُّ الأمْرُ المَحْظُورُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الحَظْرِ عَلَيْهِ.
* مَسْألَةٌ
وَقْتُ السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾، أنَّ السَّعْيَ يَكُونُ بَعْدَ النِّداءِ، وعِنْدَ تَرْكِ البَيْعِ، ومَفْهُومُهُ
صفحة ١٨٣
أنَّ قَبْلَ النِّداءِ لا يَلْزَمُ السَّعْيُ ولا تَرْكُ البَيْعِ، وهَذا ظاهِرٌ مِنَ النَّصِّ، ولَكِنْ جاءَتْ نُصُوصٌ لِلْحَثِّ عَلى البُكُورِ إلى الجُمُعَةِ، مِنها قَوْلُهُ ﷺ: «مَن بَكَّرَ، وابْتَكَرَ، ومَشى ولَمْ يَرْكَبْ، وصَلّى ما تَيَسَّرَ لَهُ» . الحَدِيثَ.وَحَدِيثُ: «مَن راحَ في السّاعَةِ الأُولى» إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فَكانَ البُكُورُ مَندُوبًا إلَيْهِ، وهَذا أمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ، ولَكِنْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ مالِكٍ والجُمْهُورِ في مَبْدَأِ البُكُورِ، ومَعْنى السّاعَةِ الأُولى أيِّ ساعَةٍ لُغَوِيَّةٍ أوْ زَمَنِيَّةٍ، وهَلْ هي الأُولى مِنَ النَّهارِ أوِ الأُولى بَعْدَ الأذانِ ؟، فَقالَ مالِكٌ: إنَّ السّاعَةَ لُغَوِيَّةٌ، وهي الأُولى بَعْدَ الأذانِ، إذْ لا يَجِبُ السَّعْيُ إلّا بَعْدَهُ وقَبْلَهُ لا تَكْلِيفَ بِهِ.
وَحَمَلَ الجُمْهُورُ السّاعَةَ عَلى السّاعَةِ الزَّمَنِيَّةِ، وأنَّ الأُولى هي الأُولى مِنَ النَّهارِ، والرّاجِحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ لِعِدَّةِ أُمُورٍ:
أوَّلًا: في لَفْظِ حَدِيثِ البُكُورِ؛ لِأنَّ لَفْظَ البُكُورِ لا يَكُونُ إلّا لِأوَّلِ النَّهارِ، ولا يُقالُ لِما بَعْدَ الزَّوالِ بُكُورٌ، بَلْ يُسَمّى عَشِيًّا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] وتَكْرارُ بَكَّرَ، وابْتَكَرَ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في بُكْرَةِ النَّهارِ وأوائِلِهِ، وكَذَلِكَ لَفْظَةُ: ”مَن راحَ“ لِأنَّ الرَّواحَ لِأوَّلِ النَّهارِ.
ثانِيًا في الحَدِيثِ: «وَصَلّى ما تَيَسَّرَ»، لَهُ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنْ هُناكَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلصَّلاةِ بِقَدْرِ ما تَيَسَّرَ لَهُ. أمّا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ، فَلا مُتَّسَعَ لِصَلاةٍ بَعْدَ النِّداءِ، ولا سِيَّما في زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ إلّا أذانٌ واحِدٌ، وبَعْدَ النِّداءِ فَلا مُتَّسَعَ لِلصَّلاةِ.
ثالِثًا: ما جاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي أرْبَعًا وثَمانِيَ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وهَذا كُلُّهُ لا يَكُونُ مَعَ السّاعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وما جاءَ عِنْدَ النَّيْسابُورِيِّ مِن قَوْلِهِ في تَفْسِيرِهِ: وكانَتِ الطُّرُقاتُ في أيّامِ السَّلَفِ وقْتَ السَّحَرِ وبَعْدَ الفَجْرِ غاصَّةً بِالمُبَكِّرِينَ إلى الجُمُعَةِ يَمْشُونَ بِالسُّرُجِ.
وَقِيلَ: أوَّلُ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتْ في الإسْلامِ تَرْكُ البُكُورِ إلى الجُمُعَةِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو أنَّ زَمَنَ السَّعْيِ لَهُ جِهَتانِ:
جِهَةُ وُجُوبٍ وإلْزامٍ، وهَذا لا شَكَّ أنَّهُ بَعْدَ النِّداءِ إلّا مَن كانَ مَحَلُّهُ بَعِيدًا، بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرَ حَتّى يُنادى لَها لا يُدْرِكُها فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إلَيْها قَبْلَ النِّداءِ اتِّفاقًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن
صفحة ١٨٤
أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ إلّا بِذَلِكَ.وَما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، وهَذا مَخْصُوصٌ مِن ظاهِرِ النَّصِّ المُتَقَدِّمِ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ: جِهَةُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ، وهَذا لا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ وإنَّما هو بِحَسَبِ ظُرُوفِ الشَّخْصِ، فَمَن تَمَكَّنَ مِنَ البُكُورِ، ولَمْ يَتَعَطَّلْ بِبُكُورِهِ ما هو ألْزَمُ مِنهُ، فَيُنْدَبُ لَهُ البُكُورُ، وبِحَسَبِ ما يَكُونُ بُكُورُهُ في السّاعاتِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ يَكُونُ ما لَهُ مِنَ الأجْرِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى أمْرانِ:
الأوَّلُ: حَدِيثُ «المَلائِكَةِ عَلى أبْوابِ المَساجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَإذا حَضَرَ الإمامُ طَوَتِ الصُّحُفَ وجَلَسُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»، فَكِتابَةُ الأوَّلِ فالأوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الإمامِ، تَدُلُّ عَلى فَضْلِ الأوَّلِيَّةِ قَبْلَ النِّداءِ كَما تَقَدَّمَ.
الأمْرُ الثّانِي: أنَّنا وجَدْنا لِكُلِّ واجِبٍ مَندُوبًا والسَّعْيُ إلى الجُمُعَةِ عِنْدَ النِّداءِ واجِبٌ، فَيَكُونُ لَهُ مَندُوبٌ وهو السَّعْيُ قَبْلَ النِّداءِ، فَكَما لِلصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ واجِبٌ ومَندُوبٌ، فَكَذَلِكَ لِلسَّعْيِ واجِبٌ ومَندُوبٌ، فَواجِبُهُ بَعْدَ النِّداءِ، ومَندُوبُهُ قَبْلَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
الغُسْلُ لِلْجُمُعَةِفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تَرْتِيبُ السَّعْيِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ عَلى النِّداءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا مُقَيَّدٌ بِسَبْقِ الطُّهْرِ إجْماعًا، وقَدْ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فَكانَتِ الطَّهارَةُ بِالوُضُوءِ شَرْطًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ.
وَهُنا في خُصُوصِ الجُمُعَةِ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ في خُصُوصِ الطُّهْرِ لَها بِوُضُوءٍ أوْ غُسْلٍ.
وَقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في غُسْلِ الجُمُعَةِ مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ”، وفي لَفْظٍ:“ طُهْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَطُهْرِ الجَنابَةِ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في وُجُوبِ الغُسْلِ عَلى كُلِّ مَن بَلَغَ سِنَّ الحُلُمِ.
وَجاءَ حَدِيثٌ آخَرُ: «مَن تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أفْضَلِيَّةِ الغُسْلِ عَلى الوُضُوءِ، وبِالتّالِي صِحَّةِ الجُمُعَةِ بِالوُضُوءِ وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.
صفحة ١٨٥
وَقَدْ جاءَ عِنْدَ مالِكٍ في المُوَطَّأِ: أنَّ عُثْمانَ دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعُمَرُ يَخْطُبُ فَعاتَبَهُ عَلى تَأخُّرِهِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ ما إنْ سَمِعَ النِّداءَ حَتّى تَوَضَّأ، وأتى إلى المَسْجِدِ، فَقالَ لَهُ: والوُضُوءَ أيْضًا، وذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالعَوْدَةِ إلى الغُسْلِ، ولَوْ كانَ واجِبًا لَما تَرَكَهُ عُثْمانُ مِن نَفْسِهِ، ولا أقَرَّهُ عُمَرُ وتَرَكَهُ عَلى وُضُوئِهِ.فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ قَدْ نُسِخَ الوُجُوبُ فِيهِ بِحَدِيثِ المُفاضَلَةِ المَذْكُورِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ عُثْمانَ هَذِهِ.
والثّانِي: قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ هم فَعَلَةُ أنْفُسِهِمْ فَكانُوا يَأْتُونَ إلى المَسْجِدِ ويَشْتَدُّ عَرَقُهم فَتَظْهَرُ لَهم رَوائِحُ فَعَزَمَ عَلَيْهِمْ ﷺ بِالغُسْلِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وجاءَتْهُمُ العُلُوجُ وكُفُوا مُؤْنَةَ العَمَلِ، رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، وهَذا هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، كَما قَدَّمْنا.
وَعِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ وُجُوبُ الغُسْلِ، ولَكِنْ لِلْيَوْمِ لا لِلْجُمُعَةِ؛ لِنَصِّ الحَدِيثِ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ» ولَمْ يَقُلِ الغُسْلُ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، واسْتَدَلُّوا لِما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ النُّصُوصِ في تَعَهُّدِ الشُّعُورِ والأظافِرِ والغُسْلِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ عَلى الإطْلاقِ، وقَيَّدُوهُ في الغُسْلِ بِخُصُوصِ الجُمُعَةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّ مَن لَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَهم قَبْلَ الصَّلاةِ فَعَلَيْهِ أنْ يَغْتَسِلَ بَعْدَها، وأنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَهم لِصِحَّتِها، والَّذِي يَظْهَرُ هو صِحَّةُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مُناسَبَةُ الغُسْلِ في هَذا اليَوْمِ أنْسَبُ ما تَكُونُ لِهَذا التَّجَمُّعِ، كَما أشارَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَإذا أهْدَرْنا هَذِهِ المُناسَبَةَ كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وغَيْرُهُ سَواءً.
الثّانِي: أنَّ سِياقَ الآيَةِ يُشِيرُ إشارَةً خَفِيَّةً إلى عَدَمِ وُجُوبِ الغُسْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَ طِهارَةٍ عِنْدَ السَّعْيِ بَعْدَ الأذانِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا بُدَّ مِن طُهْرٍ لَها، فَيَكُونُ إحالَةً عَلى الآيَةِ الثّانِيَةِ العامَّةِ في كُلِّ الصَّلَواتِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَيُكْتَفى بِالوُضُوءِ وتَحْصُلُ الفَضْلِيَّةُ بِالغُسْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
QUL supports exporting tafsir content in both JSON and SQLite formats.
Tafsir text may include <html> tags for formatting such as <b>,
<i>, etc.
Note:
Tafsir content may span multiple ayahs. QUL exports both the tafsir text and the ayahs it applies to.
Example JSON Format:
{
"2:3": {
"text": "tafisr text.",
"ayah_keys": ["2:3", "2:4"]
},
"2:4": "2:3"
}
"ayah_key" in "surah:ayah", e.g. "2:3" means
3rd ayah of Surah Al-Baqarah.
text: the tafsir content (can include HTML)ayah_keys: an array of ayah keys this tafsir applies toayah_key where the tafsir text can be found.
ayah_key: the ayah for which this record applies.group_ayah_key: the ayah key that contains the main tafsir text (used for shared tafsir).
from_ayah / to_ayah: start and end ayah keys for convenience (optional).ayah_keys: comma-separated list of all ayah keys that this tafsir covers.text: tafsir text. If blank, use the text from the group_ayah_key.