قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ .
فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى التِّجارَةِ وحْدَها مُغايَرَةٌ لِذِكْرِ اللَّهْوِ مَعَها.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وذَكَرَ قِراءَةً أُخْرى، انْفَضُّوا
صفحة ١٨٦
إلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى اللَّهْوِ، وهَذا تَوْجِيهٌ قَدْ يَسُوغُ لُغَةً كَما في قَوْلِ نابِغَةِ ذُبْيانَ:وَقَدْ أرانِي ونُعْمًا لاهِيَيْنِ بِها والدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإمْرارِ
فَذَكَرَ الدَّهْرَ والعَيْشَ، وأعادَ عَلَيْهِما ضَمِيرًا مُنْفَرِدًا اكْتِفاءً بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: وحَذْفُ ما يُعْلَمُ جائِزٌ.وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِهَذا نَظائِرُ في غَيْرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، فالَّتِي تَقِي الحَرَّ، تَقِي البَرْدَ، فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما لِدَلالَتِهِ عَلى الآخَرِ، ولَكِنَّ المَقامَ هُنا خِلافُ ذَلِكَ.
وَقَدْ قالَ الشَّيْخُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ: لا يَخْفى أنَّ أصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هو الأحَدُ الدّائِرُ بَيْنَ التِّجارَةِ واللَّهْوِ، بِدَلالَةِ لَفْظَةِ أوْ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إلى التِّجارَةِ وحْدَها دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنافاةٍ في الجُمْلَةِ، والجَوابُ: أنَّ التِّجارَةَ أهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وأقْوى سَبَبًا في الِانْفِضاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُمُ انْفَضُّوا مِن أجْلِ العِيرِ، واللَّهْوُ كانَ مِن أجْلِ قُدُومِها، مَعَ أنَّ اللُّغَةَ يَجُوزُ فِيها رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأحَدِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَهُ. أمّا في العَطْفِ بِأوْ فَواضِحٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] .
وَأمّا الواوُ فَهو فِيها كَثِيرٌ
• كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] .
اهـ.
أيْ: أنَّ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها يُذْكَرُ فِيها أمْرانِ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى واحِدٍ مِنهُما.
وَبِناءً عَلى جَوابِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى أحَدِ المَذْكُورَيْنِ، إمّا لِتَساوِيهِما في الماصَدَقَ، وإمّا لِمَعْنًى زائِدٍ فِيما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ.
فَمِنَ المُتَساوِيَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ لِتَساوِيهِما في النَّهْيِ والعِصْيانِ، ومِمّا لَهُ مَعْنًى زائِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، وإنَّها أيْ: الصَّلاةُ؛ لِأنَّها أخَصُّ مِن عُمُومِ الصَّبْرِ، ووُجُودُ الأخَصِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الأعَمِّ دُونَ العَكْسِ، ولِأنَّ الصَّلاةَ وسِيلَةٌ لِلصَّبْرِ، كَما في الحَدِيثِ: كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرُ هَمٍّ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ.
صفحة ١٨٧
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾، أيْ: الفِضَّةَ؛ لِأنَّ كَنْزَ الفِضَّةِ أوْفَرُ، وكانِزُوها أكْثَرُ فَصُورَةُ الكَنْزِ حاصِلَةٌ فِيها بِصِفَةٍ أوْسَعَ، ولَدى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِمْ أوْلى، ومِن ناحِيَةٍ أُخْرى لَمّا كانَتِ الفِضَّةُ مِنَ النّاحِيَةِ النَّقْدِيَّةِ أقَلَّ قِيمَةً، والذَّهَبُ أعْظَمَ، كانَ في عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها تَنْبِيهٌ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، فَكَأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ، وأشَدُّ تَخْوِيفًا لِمَن يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ.أمّا الآيَةُ هُنا، فَإنَّ التَّوْجِيهَ الَّذِي وجَّهَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى التِّجارَةِ، فَإنَّهُ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَها: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]، فَذَكَرَ السَّبَبَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِانْفِضاضِهِمْ عَنْهُ ﷺ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى، بِالتَّذْيِيلِ المُشْعِرِ بِأنَّ التِّجارَةَ هي الأصْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]، والرِّزْقُ ثَمَرَةُ التِّجارَةِ، فَكانَ هَذا بَيانًا قُرْآنِيًّا لِعَوْدِ الضَّمِيرِ هُنا عَلى التِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* تَنْبِيهٌ
قالَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: تأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِّجارَةُ عَلى اللَّهْوِ في الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ وأُخِّرَتْ مَعَ التَّفْضِيلِ لِتَقَعَ النَّفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ. اهـ.
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: في الرُّؤْيَةِ: (وإذا رَأوْا)، وبِقَوْلِهِ: مَعَ التَّفْضِيلِ: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾، أيْ: لِأنَّ اللَّهْوَ أبْيَنُ في الظُّهُورِ، والَّذِي يَظْهَرُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أنَّهُ عِنْدَ التَّفْضِيلِ ذَكَرَ اللَّهْوَ لِلْواقِعِ فَقَطْ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ لا خَيْرَ فِيهِ مُطْلَقًا فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْمُفاضَلَةِ، وآخَّرَ ذِكْرَ التِّجارَةِ؛ لِتَكُونَ أقْرَبَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ لِارْتِباطِهِما مَعًا، فَلَوْ قُدِّمَتِ التِّجارَةُ هُنا أيْضًا لَكانَ ذِكْرُ اللَّهْوِ فاصِلًا بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، وهو لا يَتَناسَقُ مَعَ حَقِيقَةِ المُفاضَلَةِ.
⁕ ⁕ ⁕
* قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ الآيَةَ.
لا يَخْفى أنَّ أصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هو الحَدُّ الدّائِرُ بَيْنَ التِّجارَةِ واللَّهْوِ لِدَلالَةِ لَفْظَةِ ”أوْ“ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ هَذا الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى التِّجارَةِ وحْدَها دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنافاةٍ في الجُمْلَةِ.
صفحة ٤١٦
والجَوابُ أنَّ التِّجارَةَ أهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وأقْوى سَبَبًا في الِانْفِضاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُمُ انْفَضُّوا عَنْهُ مِن أجْلِ العِيرِ، واللَّهْوُ كانَ مِن أجْلِ قُدُومِها، مَعَ أنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ يَجُوزُ فِيها رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأحَدِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ.أمّا في العَطْفِ بَأوْ فَواضِحٌ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في الحَقِيقَةِ راجِعٌ إلى الحَدِّ الدّائِرِ الَّذِي هو واحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٢] .
وَأمّا الواوُ فَهو فِيها كَثِيرٌ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ " الآيَةَ [التوبة: ٣٤] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٠] .
وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
وَقَدْ أرانِي ونُعْمًا لاهِيَيْنَ بِها والدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإمْرارِ
QUL supports exporting tafsir content in both JSON and SQLite formats.
Tafsir text may include <html> tags for formatting such as <b>,
<i>, etc.
Note:
Tafsir content may span multiple ayahs. QUL exports both the tafsir text and the ayahs it applies to.
Example JSON Format:
{
"2:3": {
"text": "tafisr text.",
"ayah_keys": ["2:3", "2:4"]
},
"2:4": "2:3"
}
"ayah_key" in "surah:ayah", e.g. "2:3" means
3rd ayah of Surah Al-Baqarah.
text: the tafsir content (can include HTML)ayah_keys: an array of ayah keys this tafsir applies toayah_key where the tafsir text can be found.
ayah_key: the ayah for which this record applies.group_ayah_key: the ayah key that contains the main tafsir text (used for shared tafsir).
from_ayah / to_ayah: start and end ayah keys for convenience (optional).ayah_keys: comma-separated list of all ayah keys that this tafsir covers.text: tafsir text. If blank, use the text from the group_ayah_key.