صفحة ١١٥
﷽سُورَةُ الجُمُعَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ﴾ .
بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى الأُمِّيِّينَ في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ بِقَوْلِهِ: الأُمِّيِّينَ أيْ: العَرَبِ، والأُمِّيُّ: هو الَّذِي لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وكَذَلِكَ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ. ا هـ.
وَسُمِّي أُمِّيًّا نِسْبَةً إلى أُمِّهِ يَوْمَ ولَدَتْهُ لَمْ يَعْرِفِ القِراءَةَ، ولا الكِتابَةَ وبَقِيَ عَلى ذَلِكَ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُمِّيِّينَ هُمُ العَرَبُ بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَجابَ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِمُ ا هـ.
وَفِي الحَدِيثِ: «”إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَقْرَأُ ولا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»“، وهَذا حُكْمٌ عَلى المَجْمُوعِ لا عَلى الجَمِيعِ؛ لِأنَّ في العَرَبِ مَن كانَ يَكْتُبُ مِثْلَ كَتَبَةِ الوَحْيِ، عُمَرَ وعَلِيًّا وغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ هو النَّبِيُّ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْ أهْلِ الكِتابِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَكْتُوبَ عِنْدَهم هو ما بَشَّرَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .
وَكَوْنُهُ ﷺ أُمِّيًّا بِمَعْنى لا يَكْتُبُ، بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾
صفحة ١١٦
[الحجرات: ٤٨] .وَبَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا مَعَ أنَّهُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ كَما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ [الفرقان: ٥] فَقالَ: إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] .