قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ١٩٣
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ لَهْوِ المالِ والوَلَدِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، بِأنَّ العَبْدَ يُفْتَنُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي في سُورَةِ ”التَّغابُنِ“: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] .أيْ: لِمَن سَخَّرَ المالَ في طاعَةِ اللَّهِ، وبِالتَّأمُّلِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وآخِرِ الَّتِي قَبْلَها نَجِدُ اتِّحادًا في المَوْضُوعِ والتَّوْجِيهِ.
فَهُناكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] .
وَجاءَ عَقِبَهُ مُباشَرَةً سُورَةُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ولَعَلَّهُ مِمّا يُشْعِرُ أنَّ الَّذِينَ بادَرُوا بِالخُرُوجِ لِلْعِيرِ هُمُ المُنافِقُونَ، وتَبِعَهُمُ الآخَرُونَ لِحاجَتِهِمْ لِما تَحْمِلُ العِيرُ، وهُنا بَعْدَما رَكَنَ المُنافِقُونَ لِلْمالِ جاءَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ فَكانَتْ أمْوالُهم فِتْنَةً لَهم في مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، سَواءٌ كانَ المُرادُ بِالأمْوالِ خُصُوصَ ذِكْرِ الخُطْبَةِ والعِيرِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، أوْ عُمُومَ العِباداتِ والمُكْتَسَباتِ.