قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾
والطّاغِيَةُ فاعِلَةٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] .
وَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الطُّغْيانِ هُنا، فَقالَ قَوْمٌ: طاغِيَةٌ: عاقِرُ النّاقَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١١ - ١٢]، فَتَكُونُ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيْ: بِسَبَبِ طاغِيَتِها، وقِيلَ: الطّاغِيَةُ: الصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي أهْلَكَتْهم، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، فَتَكُونُ الباءُ آلِيَّةً، كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ.
والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ هو المَعْنى الثّانِي؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] . وقِيلَ: لا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ؛ لِأنَّهُما مُتَلازِمانِ تَلازُمَ المُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سَبَبُ الثّانِي لَمّا كانُوا بَعِيدًا، ويُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ .
صفحة ٢٥٨
فالعُتُوُّ هو الطُّغْيانُ في الفِعْلِ، والصّاعِقَةُ هي الصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ، وقَدْ رَبَطَ بَيْنَهُما بِالفاءِ.