قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾
النَّفْخُ في الصُّورِ لِلْبَعْثِ، وهَذا مَعْلُومٌ، وتَأْتُونَ أفْواجًا: قَدْ بَيَّنَ حالَ هَذا المَجِيءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٧ - ٨]، والأفْواجُ هُنا قِيلَ: الأُمَمُ المُخْتَلِفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧١]، ولَكِنَّ الآيَةَ بِتاءِ الخِطابِ: فَتَأْتُونَ مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّ الأفْواجَ في هَذِهِ الأُمَّةِ.
وَقَدْ رَوى القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ أثَرًا عَنْ مُعاذٍ، أنَّهُ سَألَ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا مُعاذُ، سَألْتَ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ ”، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ وقالَ:“ تُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنافٍ مِن أُمَّتِي» وساقَها، وكَذَلِكَ ساقَها الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الكافِي الشّافِي في تَخْرِيجِ
صفحة ٤١٠
أحادِيثِ الكَشّافِ: أخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الهِنْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، عَنْهُ بِطُولِهِ وهي: ”بَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكِّسُونَ أرْجُلَهم فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيًا، وبَعْضُهم صُمًّا، بُكْمًا، وبَعْضُهم يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم، فَهي مُدَلّاتٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتَنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم مُلْبَسُونَ جِلْبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةً بِجُلُودِهِمْ“ .أمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ: فَأهْلُ السُّحْتِ، والمُنَكَّسُونَ: أكَلَةُ الرِّبا، والعُمْيُ: الجائِرُونَ في الحُكْمِ، والصُّمُّ: المُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، والَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمُ: العُلَماءُ والقُصّاصُ الَّذِينَ خالَفَ قَوْلُهم أعْمالَهم، ومَقْطُوعُو الأيْدِي: مُؤْذُو الجِيرانِ، والمُصَلَّبُونَ: السُّعاةُ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، والَّذِينَ أشَدُّ نَتَنًا: مُتِّبِعُو الشَّهَواتِ، ومانِعُو حَقِّ اللَّهِ في أمْوالِهِمْ، ولابِسُو الجِلْبابِ: أهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ. انْتَهى بِإيجازٍ بِالعِبارَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.