Adwa' Al-Bayan

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Adwa' Al-Bayan tafsir for Surah An-Naba — Ayah 23

لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾

لَمْ يُبَيِّنِ الأحْقابَ هُنا كَمْ عَدَدُها، وهَذِهِ مَسْألَةُ فَناءِ النّارِ، وعَدَمِ فَنائِها.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالأحْقابِ هُنا: جُزْءٌ مِنَ الزَّمَنِ لا كُلُّهُ، وهي الأحْقابُ المَوْصُوفُ حالُهم فِيها لِما بَعْدَهم مِن كَوْنِهِمْ لا يَذُوقُونَ فِيها، أيْ: في النّارِ أحْقابًا مِنَ الزَّمَنِ، لا يَذُوقُونَ بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا.

أمّا بَقِيَّةُ الأحْقابِ فَيُقالُ لَهم: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠]، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في كِتابِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، عِنْدَ الكَلامِ

صفحة ٤١١

عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨]، وهو بَحْثٌ مُطَوَّلٌ، وسَيُطْبَعُ الكِتابُ - بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ.

وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ في مَعْنى الحِقَبِ آثارًا عَدِيدَةً مِنها: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن دَخَلَها حَتّى يَكُونَ فِيها أحْقابًا. الحِقْبُ: بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةَ، والسَّنَةُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ. فَلا يَتَّكِلَنَّ أحَدُكم عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ» . ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَدْ رَجَّحَ القُرْطُبِيُّ دَوامَهم - أيِ: الكُفّارُ في النّارِ - أبَدَ الآبِدِينَ. اهـ.

⁕ ⁕ ⁕

* قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

صفحة ٤٣٠

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّبَأِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ .

تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ هو والآياتِ المُشابِهَةِ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، مَعَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ لِدَوامِ عَذابِ أهْلِ النّارِ بِلا انْقِطاعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨]، فَقَدْ بَيَّنّا هُناكَ أنَّ العَذابَ لا يَنْقَطِعُ عَنْهم وبَيَّنّا وجْهَ الِاسْتِثْناءِ بِالمَشِيئَةِ، وأمّا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأحْقابِ المَذْكُورَةِ هُنا مَعَ الدَّوامِ الأبَدِيِّ الَّذِي قَدَّمَنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: وهو الَّذِي مالَ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ وهو الأظْهَرُ عِنْدِي لِدَلالَةِ ظاهِرِ القُرْءانِ عَلَيْهِ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ في حالِ كَوْنِهِمْ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٥]، فَإذا انْقَضَتْ تِلْكَ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِأنْواعٍ أُخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ غَيْرَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ. ويَدُلُّ لِهَذا تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّهم يُعَذَّبُونَ بِأنْواعٍ أُخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ غَيْرَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨] .

وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ تَداخُلُ الحالِ وهو جائِزٌ حَتّى عِنْدَ مَن مَنَعَ تَرادُفَ الحالِ كابْنِ عُصْفُورٍ ومَن وافَقَهُ، وإيضاحُهُ أنَّ جُمْلَةَ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ اسْمِ الفاعِلِ المُسْتَكِنِّ، ونَعْنِي بِاسْمِ الفاعِلِ قَوْلَهُ: لابِثِينَ الَّذِي هو حالٌ، ونَظِيرُهُ مِن إتْيانِ جُمْلَةِ فِعْلٍ مُضارِعٍ مَنفِيٍّ بِلا حالًا في القُرْءانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، أيْ في حالِ كَوْنِكم لا تَعْلَمُونَ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأحْقابَ لا تَنْقَضِي أبَدًا، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ

صفحة ٤٣١

وَقالَ: إنَّهُ أصَحُّ مِن جَعْلِ الآيَةِ في عُصاةِ المُسْلِمِينَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ.

الثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا دَلالَةَ قَوْلِهِ: ”أحْقابًا“ عَلى التَّناهِي والِانْقِضاءِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما فُهِمَ مِن مَفْهُومِ الظَّرْفِ والتَّأْبِيدِ مُصَرَّحٌ بِهِ مَنطُوقًا والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وقَوْلُ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في عُصاةِ المُسْلِمِينَ، يَرُدُّهُ ظاهِرُ القُرْءانِ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبإ: ٢٨]، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ.