وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية: هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحَسَّان بن ثابت، وكَعْبِ بن مالك، وعبد الله بن رَوَاحَةَ، وكُلِّ مَنِ اتصف بهذه الصفة، ويُرْوَى عن عطاءِ بن يَسَارٍ وغيرِهِ أَنَّ هؤلاءِ شَقَّ عليهم ما ذُكِرَ قَبْلُ في الشعراء، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ فنزلت آيةُ الاستثناء بالمدينة.
وقوله تعالى: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً يحتملُ أنْ يريد في أشعارهم، وهو تأويل ابن زيد [[أخرجه الطبريّ (9/ 491) برقم (26856) ، وذكره ابن عطية (4/ 247) .]] ، ويحتمل أنَّ ذلك خُلُقٌ لهم وعبادة قاله ابن عباس [[ذكره ابن عطية (4/ 247) .]] ، فكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدَحُ عن غير حَقٍّ فهو داخل في [هذه الآية، وكل تقيٍّ منهم يُكْثِرُ من الزُّهْدِ، ويمسك عن كل ما يُعَابُ فهو داخل في] [[سقط في ج.]] الاستثناء.
ت: قد كتبنا- والحمد للَّه- في هذا المختصر- جملةً صالحة في فضل الأذكار عسى اللَّه أنْ ينفع به من وقع بيده، ففي «جامع الترمذي» عن أبي سعيد الخُدْريِّ، قال:
سئل النبيّ ﷺ: أَيُّ العِبَاد أَفْضَل دَرَجَة عِنْدَ اللَّهِ تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَال: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً، قُلْتُ: وَمِنَ الْغَازي فِي سَبِيلِ اللَّه عزَّ وجَلَّ؟! قال: لو ضرب بسيفه في الكفّار 50 ب وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَماً- لكانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ تَعَالى أَفْضَلَ مِنْهُ» [[أخرجه الترمذيّ (5/ 428) كتاب الدعوات: باب فضل الذكر، حديث (3376) ، وأحمد (3/ 75) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري به. وقال الترمذيّ: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث دراج.]] / وروى الترمذيُّ، وابن ماجه عن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِن إنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرَقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُلْقَوْا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ونضربوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بلى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تعالى» [[أخرجه الترمذيّ (5/ 459) كتاب الدعاء: باب (6) حديث (3377) ، وابن ماجه (2/ 1245) كتاب الأدب: باب فضل الذكر، حديث (3790) ، وأحمد (5/ 195) ، والحاكم (1/ 496) عن أبي الدرداء مرفوعا.- وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 211) كتاب القرآن: باب ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى، حديث (24) عن زياد بن أبي زياد عن أبي الدرداء موقوفا.]] . قَالَ الحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ في كِتَابِهِ «المستدرك على الصحيحين» .
هذا حدِيثٌ صحيحُ الإسْنادِ، انتهى من «حليةِ النَّوَوِيَّ» . وقوله: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا إشارةٌ إلى مَا رَدَّ به حَسَّانُ وَعَلِيٌّ وغيرهُما على قريش.
قلت: قيل: وَأَنْصَفُ بَيتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ: قَوْلُ حَسَّانٍ لأَبي سُفْيَانَ أَو لأَبِي جَهْلٍ:
[الوافر]
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فشرّكما لخير كما الْفِدَاءُ [[ينظر: البيت في «ديوانه» ص (76) و «خزانة الأدب» (9/ 232، 236، 237) و «شرح الأشموني» (3/ 388) و «لسان العرب» (3/ 420) (ندد) ، (6/ 316) (عرش) .
واستشهد فيه بقوله: «فشركما لخير كما الفداء» حيث ورد أفعل التفضيل ( «شرّ» و «خير» ) عاريا عن معنى التفضيل. قال السهيليّ: «في ظاهر هذا اللّفظ شناعة لأنّ المعروف أن لا يقال: «هو شرّهما» ، إلّا وفي كليهما شرّ، وكذلك شرّ منك، ولكنّ سيبويه قال: تقول: مررت برجل شرّ منك، إذا نقص عن أن يكون مثله. وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الأوّل ونحو منه قوله عليه السلام: «شرّ صفوف الرجال آخرها» ، يريد نقصان حظّهم عن حظّ الصفّ الأوّل، كما قال سيبويه. ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشرّ، والله أعلم» ( «الخزانة» 9/ 237) .]]
وَبَاقِي الآيةِ وَعِيدٌ لظلمةِ كُفَّارِ مَكَّةَ وتهديد لهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
تفسير «سورة النّمل
وهي مكّية