Tafsir Al-Tha'alibi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Al-Tha'alibi tafsir for Surah Ash-Shuraa — Ayah 34

أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤ وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥ فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦ وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧

وقوله تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا: أوْبَقْتُ الرَّجُلَ: إذا أَنْشَبْتَهُ في أمْرٍ يَهْلِكُ فِيهِ، وهو في السفن تغريقها وبِما كَسَبُوا أي: بذنوب رُكَّابها، وقرأ نافع، وابن عامر:

«وَيَعْلَمُ» بالرفع على القطع والاستئناف، وقرأ الباقون والجمهور: «وَيَعْلَمَ» بالنصب [[ينظر: «السبعة» (581) ، و «الحجة» (6/ 130) ، و «إعراب القراءات» (2/ 285) ، و «معاني القراءات» (2/ 357) ، و «شرح الطيبة» (5/ 214) ، و «العنوان» (170) ، و «حجة القراءات» (643) ، و «إتحاف» (2/ 450) .]] على تقدير «أنْ» ، و «المَحِيصُ» : المنجى، وموضعُ الرَّوَغَانِ.

ثم وعَظَ سبحانه عبادَهُ، وحَقَّر عندهم أمر الدنيا وشأنها، ورَغَّبَهُمْ فيما عنده من النعيم والمنزلة الرفيعة لديه، وعَظَّم قَدْرَ ذلك في قوله: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [وزينتها] وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وقرأ الجمهور [[وقد قرأ حمزة والكسائيّ بالإفراد «كبير» .

ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 39) ، و «السبعة» (581) ، و «الحجة» (6/ 132) ، و «إعراب القراءات» (2/ 286) ، و «معاني القراءات» (2/ 358) ، و «شرح الطيبة» (5/ 215) ، و «العنوان» (170) ، و «حجة القراءات» (643) ، و «شرح شعلة» (574) ، و «إتحاف» (2/ 451) .]] :

كَبائِرَ على الجمع قال الحسن: هي كُلُّ ما تُوُعِّدَ فيه بالنار [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (5/ 39) .]] ، وقد تقدَّم ما ذَكَرَهُ/ الناس في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وَالْفَواحِشَ: قال السُّدِّيُّ [[أخرجه الطبري (11/ 154) برقم: (30722) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 129) ، وابن عطية (5/ 39) .]] : الزنا، وقال مقاتل: مُوجِبَاتُ الحدود [[أخرجه البغوي (4/ 129) ، وذكره ابن عطية (5/ 39) .]] .

وقوله تعالى: وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ حَضٌّ على كسر الغضب والتدرُّب في إطفائه إذ هو جمرةٌ من جَهَنَّمَ، وبَابٌ مِنْ أبوابها، وقال رجل للنّبيّ ﷺ: «أوْصِنِي، قَالَ:

لاَ تَغْضَبْ، قَالَ: زِدْني، قَال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب» [[أخرجه البخاري (10/ 535) كتاب «الأدب» باب: الحذر من الغضب (6116) ، والبيهقي (10/ 105) كتاب «آداب القاضي» باب: لا يقضي وهو غضبان، نحوه من حديث أبي هريرة، والترمذي (4/ 371) كتاب «آداب القاضي» باب: لا يقضي وهو غضبان، نحوه من حديث أبي هريرة، والترمذي (4/ 371) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في كثرة الغضب (2020) ، نحو حديث البخاري والبيهقي عنه. -- قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

وفي الباب من حديث جارية بن قدامة التيمي رضي الله عنه: أنه قال: يا رسول الله ﷺ قُلْ لي قَوْلاً يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، وأَقْلِلْ لعلي لا أغفله، قال: «لا تغضب ... » الحديث.

أخرجه ابن حبان (12/ 502) كتاب «الحظر والإباحة» باب: الاستماع المكروه وسوء الظن والغضب والفحش، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ذم النفس عن الخروج إلى ما لا يرضي الله- جلّ وعلا- بالغضب (5689- 5690) ، وأحمد (3/ 484) ، (5/ 34) ، والحاكم (3/ 615) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 237) (2309) ، والطبراني (2/ 262) (2094) (2107) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (3/ 108) (1110) .]] ، ومن جاهد هذا العَارِضَ مِنْ نَفْسِهِ حتى غَلَبَهُ، فقدْ كُفِيَ هَمًّا عظيماً في دنياه وآخرته.

ت: وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» أَنَّ رجُلاً أتى النبيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فأنسى، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ تَغْضَبْ» [[أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 906) كتاب «حسن الخلق» باب: ما جاء في الغضب (11) .]] قال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أراد: عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي بكلماتٍ قليلةٍ لئلاَّ أنسى إنْ أكْثَرْتَ عَلَيَّ، ثم أسند أبو عُمَرَ من طُرُقٍ عن الأحنفِ بن قَيْسٍ عن عَمِّه جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ، أَنَّه قال:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لي قَوْلاً يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، وأَقْلِلْ لِي لَعَلِّي أَعْقِلُهُ، قَال: «لاَ تَغْضَبْ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِراراً، كُلُّها يُرَجِّعُ إليه رسُولُ اللَّه: لاَ تَغْضَبْ» ، انتهى [[أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (7/ 246) ، وانظر الحديث قبل السابق.]] من «التمهيد» ، وأسند أبو عُمَرَ في «التمهيد» أيضاً عن عبد اللَّه بن أبي الهُذَيْلِ قال: لما رأى يحيى أَنَّ عيسى مُفَارِقُهُ قال له:

أَوْصِنِي، قَالَ: لا تَغْضَبْ، قال: لاَ أَسْتَطِيعُ، قال: لا تَقْتَنِ مَالاً، قال عَسَى. انتهى. وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ أقال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنْهُمْ، وَقَاهُ اللَّهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [[أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (257) (745) ، وذكره الهندي في «كنز العمال» (3/ 354) (6902) ، وعزاه إلى الديلمي.]] ، قال ابن المُبَارَكِ: وأخبرنا/ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ قال: إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتعالى يَقُولُ: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَمَنْ ذَكَرَنِي حِينَ يَغْضَبُ ذَكَرْتُهُ حِينَ أَغْضَبُ فَلَمْ أَمْحَقْهُ فيمن أمحق [[تقدم تخريج هذا الحديث مسندا.]] » انتهى.