قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ دنا﴾ أَي: دنا جِبْرِيل من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
وَقَوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ أَي: زَاد فِي الدنو. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى﴾ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
وَقَوله: ﴿تدلى﴾ أَي: هوى وَأرْسل نَفسه من السَّمَاء، ثمَّ دنا أَي: دنا جِبْرِيل من النَّبِي وَصَارَ مَا بَينهمَا قاب قوسين أَو أدنى، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ أَي: كَانَ (بَينهمَا) مِقْدَار قوسين أَو أقل من ذَلِك، وقاب لُغَة يَمَانِية فِي هَذَا الْمَعْنى، قَالَ الشَّاعِر:
((ألم تعلمُوا أَن رشيمة لم تكن ... لتبخسنا من وَرَاء قاب إِبْهَام))
وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنهُ قاب نصف الْإِبْهَام. وروى أَسْبَاط عَن السدى أَن قَوْله: ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ أَي: قدر ذراعين. وَقَالَ مُجَاهِد: من الْوتر إِلَى المقبض. وَقيل: من السية إِلَى السية، فَإِن قيل: إِذا حملتم هَذَا على جِبْرِيل، فَكيف تَقْدِير الْآيَة؟ وَالْجَوَاب: أَن مَعْنَاهُ: " أَن جِبْرِيل لما اسْتَوَى فِي الْأُفق الْأَعْلَى على صورته غشي على النَّبِي " وَهُوَ مَرْوِيّ فِي الْأَخْبَار من عظم مَا رأى، فانتقل جِبْرِيل من صورته إِلَى الصُّورَة الَّتِي كَانَ يلقى النَّبِي فِيهَا، وَهُوَ صُورَة رجل، ودنا من النَّبِي، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ دنا﴾ ثمَّ نكس رَأسه إِلَيْهِ، بِمَعْنى قَوْله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ وضمه إِلَيْهِ، فسكنه من رَوْعَته.