وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله﴾ هَذَا خطاب لعَائِشَة وَحَفْصَة، وَمَعْنَاهُ: إِن تَتُوبَا فقد فعلتما مَا عَلَيْكُمَا، التَّوْبَة فِي ذَلِك، وَالَّذِي فعلنَا: المظاهرة على النَّبِي بالمواطأة على مَا بَينا، وبالسرور بِمَا يكرههُ من تَحْرِيم مَا أحل الله لَهُ، وبشدة الْغيرَة عَلَيْهِ وأذاه بذلك.
وَقَوله: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ أَي: مَالَتْ قُلُوبكُمَا عَن الصَّوَاب. وَقد روى " أَنه كَانَ يصغي الْإِنَاء للهرة " أَي: يمِيل.
وَقَوله: ﴿قُلُوبكُمَا﴾ أَي: قلباكما. قَالَ الْفراء: هُوَ مثل قَول الْعَرَب: ضربت ظهوركما، وهشمت رءوسكما أَي: رأسيكما وظهريكما. وَيُقَال: إِن أَكثر مَا فِي الْإِنْسَان من الْجَوَارِح اثْنَان اثْنَان، وَإِذا هِيَ تذكر باسم الْجمع، فَمَا كَانَ وَاحِدًا جرى ذَلِك المجرى، مثل: الرَّأْس وَالْقلب وَغير ذَلِك، ذكره النقاش.
وَقَوله: ﴿وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ﴾ ثَبت أَن ابْن عَبَّاس سَأَلَ عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تظاهرتا على النَّبِي أَي: توافقتا على فعل مَا يشْتَد عَلَيْهِ ويؤذيه غَيره عَلَيْهِ، فَقَالَ: هما حَفْصَة وَعَائِشَة.
وَقَوله: ﴿فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ﴾ أَي: ناصره وحافظه ﴿وَجِبْرِيل﴾ أَي: ينصره أَيْضا ويحفظه.
وَقَوله: ﴿وَصَالح الْمُؤمنِينَ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: قَالَ الْعَلَاء بن زِيَاد: هم الْأَنْبِيَاء، وَهُوَ قَول قَتَادَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ.
وَعَن قَتَادَة فِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ: هُوَ أَبُو بكر وَعمر، وهما أَبَوا الْمَرْأَتَيْنِ. قَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة وَهُوَ الحاكي ذَلِك عَن قَتَادَة: ذكرت ذَلِك لسَعِيد بن جُبَير فَقَالَ: صدق قَتَادَة. وروى اللَّيْث عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: هُوَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ. وَعَن بَعضهم: هُوَ خِيَار الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير﴾ أَي: ظهراء وَأَعْوَان، وَاحِد بِمَعْنى الْجمع، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أَي: رُفَقَاء. قَالَ الشَّاعِر
(إِن العواذل لَيْسَ لي بأمير ... )
أَي: بأمراء. وَرُوِيَ أَن عمر عَاتب حَفْصَة وَقَالَ: لَو أَمرنِي رَسُول الله أَن أضْرب رقبتك لضَرَبْت.