قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنه كَانَ رجال من الْإِنْس﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قرئَ هَذَا كُله بِالنّصب، فَمَا وَجه النصب فِيهِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قد بَينا وَجه النصب فِيمَا سبق، وَبَاقِي الْآيَات نصبت بِحكم الْمُجَاورَة والعطف، أَو بِتَقْدِير آمنا أَو ظننا أَو شَهِدنَا، وَالْعرب قد تتبع الْكَلِمَة الْكَلِمَة فِي الْإِعْرَاب بِنَفس الْمُجَاورَة والعطف مثل قَوْلهم: جُحر ضَب خرب.
وَقَوله ﴿يعوذون بِرِجَال من الْجِنّ﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الرجل كَانَ يُسَافر وَالْقَوْم كَانُوا يسافرون، فَإِذا بلغُوا مَكَانا قفرا من الْبَريَّة وأمسوا قَالُوا: نَعُوذ بِسَيِّد هَذَا الْوَادي من سُفَهَاء قومه.
وَحكى عَن بَعضهم - وَهُوَ السَّائِب بن أبي كردم - أَنه قَالَ: انْطَلَقت مَعَ أبي فِي سفر ومعنا قِطْعَة من الْغنم، فنزلنا وَاديا قَالَ: فجَاء ذِئْب وَأخذ حملا من الْغنم، فَقَامَ أبي وَقَالَ: يَا عَامر الْوَادي، نَحن فِي جوارك، فحين قَالَ ذَلِك أرسل الذِّئْب الْحمل، فَرجع الْحمل إِلَى الْغنم فَلم تصبه كدمة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ بِرِجَال من الْجِنّ، وَالْجِنّ لَا يسمون رجَالًا؟ وَالْجَوَاب: قُلْنَا يجوز على طَرِيق الْمجَاز، وَقد ورد فِي بعض أَخْبَار الْعَرَب فِي حِكَايَة أَن قوما من الْجِنّ قَالُوا: نَحن أنَاس من الْجِنّ، فَإِذا جَازَ أَن يسموا أُنَاسًا جَازَ أَن يسموا رجَالًا.
وَأما قَوْله: ﴿فزادوهم رهقا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِلَّا أَن الْإِنْس زادوا الْجِنّ رهقا أَي: عَظمَة فِي أنفسهم، كَأَن الْإِنْس لما استعاذوا بالجن ازدادوا الْجِنّ فِي أنفسهم عَظمَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ أَن الْإِنْس ازدادوا رقها بالاستعاذة من الْجِنّ.
وَمَعْنَاهُ: طغيانا وإثما، كَأَن الْإِنْس لما استعاذوا بالجن وأمنوا على أنفسهم ازدادوا كفرا، وظنوا أَن أَمنهم كَانَ من الْجِنّ.
وَقيل: رهقا أَي: غشيانا للمحارم.
وَقيل: مُفَارقَة اللائم.
قَالَ الْأَعْشَى:
لَا شَيْء يَنْفَعنِي من دون رؤيتها ... هَل يشتفي عاشق مَا لم يصب رهقا)