Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْأَحْزَابِ لَمَّا أَجْلَاهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ، بِمَا أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ وَالْجُنُودِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَوْلَا أَنَّ جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، لَكَانَتْ هَذِهِ الرِّيحُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ الْعَقِيمِ عَلَى عَادٍ، وَلَكِنْ قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] ﴾ [[زيادة من أ.]] [الْأَنْفَالِ: ٣٣] ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ هَوَاءً فَرَّقَ شَمْلَهُمْ، كَمَا كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ مِنَ الهَوَى، وَهُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، أَحْزَابٍ وَآرَاءٍ، فَنَاسَبَ أَنْ يرسل عليهم الهواء الذي فرق جَمَاعَتَهُمْ، وَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ خَاسِرِينَ بِغَيْظِهِمْ وحَنَقهم، لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا لَا فِي الدُّنْيَا، مِمَّا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الظَّفَرِ وَالْمَغْنَمِ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ بِمَا تَحَمَّلُوهُ [[في ت: "مما عملوا".]] مِنَ الْآثَامِ فِي مُبَارَزَةِ الرَّسُولِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِالْعَدَاوَةِ، وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ، وَاسْتِئْصَالِ جَيْشِهِ، ومَنْ هَمّ بِشَيْءٍ وصَدق هَمَّه بِفِعْلِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَفَاعِلِهِ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ أَيْ: لَمْ يَحْتَاجُوا [[في أ: "لم تحتاجوا".]] إِلَى مُنَازَلَتِهِمْ وَمُبَارَزَتِهِمْ حَتَّى يُجْلُوهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، بَلْ كَفَى اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وأعزَّ جُنْدَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في ت: "وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول".]] لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وأعزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٢٤) باختلاف في اللفظ.]] .وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أوْفى قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَحْزَابِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ. اللَّهُمَّ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ" [[صحيح البخاري برقم (٢٩٣٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٢) .]] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ : إِشَارَةٌ إِلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، وَهَكَذَا وَقَعَ بَعْدَهَا، لَمْ يَغُزْهُمُ الْمُشْرِكُونَ، بَلْ غَزَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي بِلَادِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا [[في ت، ف: "فلما".]] انْصَرَفَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنِ الْخَنْدَقِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغْنَا: "لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ" فَلَمْ تَغْزُ [[في أ: "تعد".]] قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ يَغْزُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [[في ت: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق".]] حَدِيثٌ صَحِيحٌ، كَمَا قَالَ [[في ت: "رواه".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَد يَقُولُ: [[في ت: "قال".]] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَإِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٤/٢٦٢) وصحيح البخاري برقم (٤١٠٩) .]] .
* * *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أَيْ: بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، رَدَّهُمْ خَائِبِينَ، لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَأَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَصَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ رَسُولَهُ وَعَبْدَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.