Tafsir al-Tabari
39:5 - 39:5

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) ﴾

يقول تعالى ذكره واصفا نفسه بصفتها: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْل﴾ يقول: يغشي هذا على هذا، وهذا على هذا، كما قال ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ يقول: يحمل الليل على النهار.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ قال: يدهوره.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال: يَغْشَى هذا هذا، ويغشى هذا هذا.

⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال: يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل، ويذهب بالنهار.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ حين يذهب بالليل ويكور النهار عليه، ويذهب بالنهار ويكور الليل عليه.

* *

وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾

يقول تعالى ذكره: وسخر الشمس والقمر لعباده، ليعلموا بذلك عدد السنين والحساب، ويعرفوا الليل من النهار لمصلحة معاشهم ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: ﴿كُلّ﴾ ذلك يعني الشمس والقمر ﴿يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني إلى قيام الساعة، وذلك إلى أن تكوّر الشمس، وتنكدر النجوم. وقيل: معنى ذلك: أن لكل واحد منهما منازل، لا تعدوه ولا تقصر دونه ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ يقول تعالى ذكره: ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقه هذه النعم هو العزيز في انتقامه ممن عاداه، الغفار لذنوب عباده التائبين إليه منها بعفوه لهم عنها.