Tafseer Al-Baghawi
14:21 - 14:21

قوله عز وجل : ( وبرزوا لله جميعا )[ أي : خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا ]( فقال الضعفاء ) يعني : الأتباع ( للذين استكبروا ) أي : تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء : ( إنا كنا لكم تبعا ) جمع تابع ، مثل : حرس وحارس ( فهل أنتم مغنون ) دافعون ( عنا من عذاب الله من شيء ) .

( قالوا ) يعني القادة المتبوعين : ( لو هدانا الله لهديناكم ) أي : لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى ، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) مهرب ولا منجاة .

قال مقاتل : يقولون في النار : تعالوا نجزع ، فيجزعون خمسمائة عام ، فلا ينفعهم الجزع ، ثم يقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فحينئذ يقولون :( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) .

قال محمد بن كعب القرظي بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة . فقال الله تعالى :( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب )( غافر - 49 ) ، فردت الخزنة عليهم :" أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى " ، فردت الخزنة عليهم :( فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال )( غافر - 50 ) فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا : ( يا مالك ليقض علينا ربك )( الزخرف - 77 ) سألوا الموت ، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوما ، واليوم كألف سنة مما تعدون ، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين إنكم ماكثون ، فلما يئسوا مما قبله قال بعضهم لبعض : إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم ، فأجمعوا على الصبر ، فطال صبرهم ، ثم جزعوا فنادوا :" سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " ، أي : من منجى .

قال : فقام إبليس عند ذلك فخطبهم ، فقال :" إن الله وعدكم وعد الحق " الآية ، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا :( لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون )( غافر - 10 ) قالوا فنادوا الثانية : " فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " ، فرد عليهم :( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) الآيات ( السجدة - 12 ، 13 ) فنادوا الثالثة : ( ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل )( إبراهيم 44 ) ، فرد عليهم :( أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) الآيات ( إبراهيم - 44 ) ، ثم نادوا الرابعة :( ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) فرد عليهم : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) ، الآية ( فاطر - 37 ) قال : فمكث عليهم ما شاء الله ، ثم ناداهم :" ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون " ، فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا ، فقالوا عند ذلك :" ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون " ، قال عند ذلك :( اخسئوا فيها ولا تكلمون )( المؤمنون 105 - 108 ) فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم ، فأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه بعض ، وأطبقت عليهم النار .