Tafseer Al-Baghawi
24:27 - 24:27

قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أَيْ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا] [[ساقط من "أ".]] وَيَقُولُ: تَسْتَأْنِسُوا خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ [[انظر فيما سبق تعليقا: ٣ / ٣٠٩، ٣١٠.]] . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَسْتَأْنِسُوا وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ. وَقِيلَ: الِاسْتِئْنَاسُ طَلَبُ الْأُنْسِ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ فِي الْبَيْتِ إِنْسَانٌ فَيُؤْذِنَهُمْ إِنِّي دَاخِلٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِبْصَارُ مِنْ قَوْلِهِ: آنَسْتُ نَارًا، أَيْ: أَبْصَرَتْ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ يَتَنَحْنَحَ، يُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ.

وَجُمْلَةُ حُكْمِ الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْغَيْرِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ أَمِ السَّلَامَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ فَيَقُولُ: أَأَدْخُلُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أَيْ: تَسْتَأْذِنُوا، ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلَامَ فَيَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ. وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهَا: حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب: كيف الاستئذان: ٨ / ٥٦-٥٧، والترمذي في الاستئذان، ما جاء في التسليم قبل الاستئذان: ٧ / ٤٩٠-٤٩١ وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. ورواه أبو عاصم عن ابن جريج مثل هذا" والإمام أحمد: ٣ / ٤١٤، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٨٤.]] .

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا فَأَمَرَ بَعْضُهُمُ الرَّجُلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهُ [[أخرجه عبد الرزاق في المصنف: ١٠ / ٣٨٣، وذكره المصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٨٤.]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى إِنْسَانٍ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ: يَسْتَأْذِنُ عَلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَمِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَإِنْ كَانُوا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ يَتَنَحْنَحُ وَيَتَحَرَّكُ أَدْنَى حَرَكَةٍ.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: لِمَ رَجَعْتَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُجَبْ فَلْيَرْجِعْ". قَالَ عُمَرُ: لَتَأْتِيَنَّ عَلَى مَا تَقُولُ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ أَوْعَدَهُ، قَالَ: فَجَاءَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مُمْتَقِعًا لَوْنُهُ وَأَنَا فِي حَلْقَةٍ جَالِسٌ، فَقُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: سَلَّمْتُ عَلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرَنَا خَبَرَهُ، فَهَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالُوا: نَعَمْ كُلُّنَا قَدْ سَمِعَهُ، قَالَ فَأَرْسَلُوا مَعَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ [[انظر الرواية في الجامع للإمام معمر: ١٠ / ٣٨٠ وهو عند الشيخين كما سيأتي في التعليقة التالية.]] .

وَرَوَاهُ بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَفِيهِ: قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ" [[أخرجه البخاري في الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثا: ١١ / ٢٦-٢٧ وفي مواضع أخرى، ومسلم في الآداب، باب الاستئذان برقم (٢١٥٣) : ٣ / ١٦٩٤، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٨٠-٢٨١.]] . قَالَ الْحَسَنُ: الْأَوَّلُ إِعْلَامٌ وَالثَّانِي مُؤَامَرَةٌ، وَالثَّالِثُ اسْتِئْذَانٌ بِالرُّجُوعِ.