Tafsir al-Tabari
6:22 - 6:23

القول في تأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا، والمكذبين بآياته، لا يفلحون اليومَ في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا- يعني: ولا في الآخرة.

ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف.

* *

وتأويل الكلام: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا،"ويوم نحشرهم جميعًا"، فقوله:"ويوم نحشرهم"، مردود على المراد في الكلام. لأنه وإن كان محذوفًا منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه =" ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم"، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذِّبين بآياته ورسله، فجمعنا جميعهم يوم القيامة [[انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: ٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"، أنهم لكم آلهة من دون الله، افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين!

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ = إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم، [[انظر تفسيره"الفتنة" فيما سلف ١٠: ٤٧٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] "إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين"، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.

* *

ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ بالتاء، بالنصب، [[في المطبوعة، حذف قوله: "بالتاء"، لغير طائل.]] بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم [[في المطبوعة: "اختبارنا لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فصيح العربية.]] "والله ربنا ما كنا مشركين" = غير أنهم يقرءون"تكن" بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.]] وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك، وهو قوله:

فَمَضَى وَقَدَّمَهَا، وكانت عادةً ... مِنْهُ إذا هيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا [[من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه ١: ١٣٠.

والضمير في قوله: "فمضى" إلى حمار الوحش، وفي قوله: "وقدمها" إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء.

و"عردت": فرت، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده. فراجع معلقته.]]

فقال:"وكانت" بتأنيث"الإقدام"، لمجاورته قوله:"عادة".

* *

وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ﴾ بالياء، ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ بالنصب، ﴿إلا أَنْ قَالُوا﴾ ، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.

غير أنهم ذكَّروا"يكون" لتذكير"أن". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.]]

قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن"أنْ" أثبت في المعرفة من"الفتنة". [[أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في"فتنتهم"، وهي قراءتنا في مصحفنا، قراءة حفص. وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف ٧: ٢٧٣-٢٧٥. وانظر تفسير أبي حيان ٤: ٩٥.]]

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"ثم لم تكن فتنتهم".

فقال بعضهم: معناه: ثم لم يكن قولهم.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة في قوله:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: مقالتهم = قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم.

١٣١٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: قولهم.

١٣١٣٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا"، الآية، فهو كلامهم ="قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

١٣١٣٧ - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك:"ثم لم تكن فتنتهم"، يعني: كلامهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: معذرتهم.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٨ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: معذرتهم.

١٣١٣٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله ="إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، فوضعت"الفتنة" موضع"القول"، لمعرفة السامعين معنى الكلام. = وإنما"الفتنة"، الاختبار والابتلاء [[انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف قريبًا ص ٢٩٧، رقم: ٢، والمراجع هناك.]] = ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار، وضعت"الفتنة" التي هي الاختبار، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم.

* *

واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله:"إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللَّهِ رَبِّنَا، خفضًا، على أن"الرب" نعت لله.

* *

وقرأ ذلك جماعة من التابعين: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بنصب"الرب"، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين = فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد ﷺ: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.

* *

ويعني بقوله:"ما كنا مشركين"، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك. [[انظر ما سلف رقم: ٩٥٢٠ - ٩٥٢٢ (ج ٨: ٣٧٣، ٣٧٤) .]]