Tafsir al-Tabari
7:95 - 7:95

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ثم بدلنا﴾ أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء= ﴿مكان السيئة﴾ ، وهي البأساء والضراء. وإنما جعل ذلك"سيئة"، لأنه ممّا يسوء الناس= ولا تسوءهم"الحَسَنة"، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة [[انظر تفسير"الضراء" فيما سلف قبل في التعليق السابق.

= وتفسير"السراء" فيما سلف ٧: ٢١٣.

= وتفسير"السيئة" و"الحسنة"، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن) .

= وتفسير"مس" فيما سلف ص: ٥٤٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى كَثرُوا.

* *

وكذلك كل شيء كثر، فإنه يقال فيه:"قد عفا"، [[انظر تفسير"عفا" فيما سلف ٣: ٣٧٠/ ٤: ٣٤٣.]] كما قال الشاعر: [[هو لبيد.]]

ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٤: ٣٤٣.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٧٣-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال: مكان الشدة رخاء= ﴿حتى عفوا﴾ .

١٤٨٧٤-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال:"السيئة"، الشر، و"الحسنة"، الرخاء والمالُ والولد.

١٤٨٧٥-حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال:"السيئة"، الشر، و"الحسنة"، الخير.

١٤٨٧٦-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة﴾ ، يقول: مكان الشدة الرَّخاء.

١٤٨٧٧-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾ ، قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا= ﴿حتى عفوا﴾ ، من ذلك العذاب= ﴿وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء﴾ .

* *

واختلفوا في تأويل قوله: ﴿حتى عفوا﴾ .

فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٧٨-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: جَمُّوا. [["جم الشيء"، و"استجم"، كثر. و"مال جم"، كثيرة.]]

١٤٨٧٩-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: كثرت أموالهم وأولادهم.

١٤٨٨٠-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٨٨١-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿حتى عفوا﴾ ، حتى كثروا.

١٤٨٨٢-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى جَمُّوا وكثروا.

١٤٨٨٣- ... قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى جَمُّوا.

١٤٨٨٤- ... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿حتى عفوا﴾ ، يعني: جَمُّوا وكثروا.

١٤٨٨٥- ... قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى كثرت أموالهم وأولادهم.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿حتى عفوا﴾ ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش، [["الريش" (بكسر الراء) : المتاع والأموال.]] ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يَشْعُرون.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٨٦-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى سُرُّوابذلك.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة في معنى:"عفوا"، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب. لأنه لا يعرف"العفو" بمعنى السرور،في شيء من كلامها، إلا أن يكون أراد: حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم، فيكون ذلك وجهًا، وإن بَعُد.

* *

وأما قوله: ﴿وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء﴾ ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها، استدراجًا وابتلاء، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها= وهي"السراء"، لأنها تَسرُّ أهلها. [[انظر تفسير"السراء" ومراجعه فيما سلف قريبًا ص: ٥٧٣، تعليق: ١.]]

وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.

يقول جل جلاله: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ ، يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، [[انظر تفسير"البغتة" فيما سلف ١١: ٣٢٥، ٣٦٠، ٣٦٨.]] وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه. [[انظر تفسير"شعر" فيما سلف ص: ٩٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]