Tafsir al-Tabari
8:74 - 8:74

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا﴾ ، آوَوْا رسول الله ﷺ والمهاجرين معه ونصروهم، ونصروا دين الله، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًّا، لا من آمن ولم يهاجر دارَ الشرك، وأقام بين أظهر أهل الشرك، ولم يغزُ مع المسلمين عدوهم [[انظر تفسير " هاجر " و " جاهد "، و " آوى " فيما سلف قريبا ص ٧٧، تعليق: ١ - ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿لهم مغفرة﴾ ، يقول: لهم ستر من الله على ذنوبهم، بعفوه لهم عنها [[انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة " غفر ".]] = ﴿ورزق كريم﴾ ، يقول: لهم في الجنة مطعم ومشرب هنيٌّ كريم، [[انظر تفسير " رزق كريم " فيما سلف وكان في المطبوعة هنا " طعم ومشرب "، والصواب من المخطوطة.]] لا يتغير في أجوافهم فيصير نجْوًا، [[" النجو "، ما يخرج من البطن.]] ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك [[روى مسلم وأبو داود من حديث جابر: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأكُلُونَ فِيهَا ويَشْرَبُونَ، وَلا يَتْفُلُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ. قِيلَ: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قال: جُشاء ورَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْك، يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمُونَ النَّفَس "

(صحيح مسلم ١٧: ١٧٣) .]]

* *

وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا: أن معنى قول الله: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في هذه الآية، وقوله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ ، إنما هو النصرة والمعونة، دون الميراث. لأنه جل ثناؤه عقّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده، دون من لم يهاجر بقوله: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا) ، الآية، ولو كان مرادًا بالآيات قبل ذلك، الدلالةُ على حكم ميراثهم، لم يكن عَقِيبَ ذلك إلا الحثّ على إمضاء الميراث على ما أمر. [[في المطبوعة: " إلا الحث على مضى "، وفي المخطوطة: "على أمضى"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] وفي صحة ذلك كذلك، الدليلُ الواضح على أن لا ناسخ في هذه الآيات لشيء، ولا منسوخ.