Tafsir al-Tabari
11:84 - 11:84

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى وَلَد مدين أخاهم شعيبًا، فلما أتاهم قال: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ، يقول: أطيعوه، وتذللوا له بالطاعة لما أمركم به ونهاكم عنه = ﴿ما لكم من إله غيره﴾ ، يقول: ما لكم من معبود سواه يستحقّ عليكم العبادة غيره = ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ ، يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم = ﴿إني أراكم بخير﴾ .

* *

واختلف أهل التأويل في "الخير" الذي أخبر الله عن شعيب أنه قال لمدين إنه يراهم به.

فقال بعضهم: كان ذلك رُخْص السعر وَحذرهم غلاءه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٦٧- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا عبد الله بن داود الواسطي قال، حدثنا محمد بن موسى، عن الذيال بن عمرو، عن ابن عباس: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: رُخْص السعر = ﴿وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط﴾ ، قال: غلاء سعر. [[الأثر: ١٨٤٦٧- " الذيال بن عمرو "، هكذا جاء هنا بالذال معجمة، وقد سلف في رقم: ١٤٤٤٥، وتعليقي عليه، وتعليق أخي السيد أحمد رحمه الله، في ج ١٢: ٥٨٩، رقم: ٧، " الزباء بن عمرو "، وفي ابن كثير: " الديال " بدال مهملة، ولم نستطع أن نعرف من يكون. والإسناد هنا، هو الإسناد هناك نفسه.]]

١٨٤٦٨- حدثني أحمد بن عمرو البَصري قال، حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا صالح بن رستم، عن الحسن، وذكر قوم شعيب قال: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: رُخْص السعر. [[الأثر: ١٨٤٦٨ - " أحمد بن عمرو البصري ": شيخ الطبري، مضى برقم: ٩٨٧٥، ١٣٩٢٨، وقد مضى ما قلت فيه، وقد روى عنه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٨٢ / ٥: ٣٢. وكان في المطبوعة هنا: " أحمد بن علي النصري "، ولا أدري من أين جاء بهذا التغيير؟ .]]

١٨٤٦٩- حدثني محمد بن عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبي عامر الخراز، عن الحسن في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ قال: الغني ورُخْص السعر.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك: إنّي أرى لكم مالا وزينة من زين الدنيا.

ذكر من قال ذلك:-

١٨٤٧٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: يعني خير الدنيا وزينتها.

١٨٤٧١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، أبصر عليهم قِشْرًا من قشر الدنيا وزينتها. [[" القشر " هو في الأصل، قشر الشجرة ونحوها، ثم أستعير للثياب وكل ملبوس، مما يخلع كما يخلع القشر، ثم أستعير لما نلبسه من زينة الحياة ثم نخلعه راضين أو كارهين.]]

١٨٤٧٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: في دنياكم، كما قال لله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ، سماه " خيرًا" لأن الناس يسمون المال "خيرًا".

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما أخبر الله عن شعيب أنه قال لقومه، وذلك قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، يعني بخير الدنيا. وقد يدخل في خير الدنيا، المال وزينة الحياة الدنيا، ورخص السعر = ولا دلالة على أنه عنى بقيله ذلك بعض خيرات الدنيا دون بعض، فذلك على كل معاني خيرات الدنيا التي ذكر أهل العلم أنهم كانوا أوتوها.

* *

وإنما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا في سعة من عيشهم ورخص من أسعارهم، كثيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكاييلكم وموازينكم، فقد وَسَّع الله عليكم رزقكم، = ﴿وإني أخاف عليكم﴾ ، بمخالفتكم أمر الله، وبَخْسكم الناس أموالهم في مكاييلكم وموازينكم = ﴿عذاب يوم محيط﴾ ، يقول: أن ينزل بكم عذاب يوم محيط بكم عذابه. فجعل "المحيط" نعتًا لليوم، وهو من نعت "العذاب"، إذ كان مفهومًا معناه، وكان العذاب في اليوم، فصار كقولهم: "بعْض جُبَّتك محترقة". [[انظر تفسير " محيط " فيما سلف ١٥: ٩٣، تعليق ١، والمراجع هناك.]]