Tafsir al-Tabari
13:9 - 13:10

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه، فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء، لأنهم خلقه [[انظر تفسير" الغيب والشهادة" فيما سلف ١١: ٤٦٤، ٤٦٥.]] وتدبيره="الكبير الذي كل شيء دونه"، [[انظر تفسير" الكبير" فيما سلف ٨: ٣١٨.]] ="المتعال" المستعلي على كل شيء بقدرته.

= وهو"المتفاعل" من"العلو" مثل"المتقارب" من القرب و"المتداني" من الدنوّ. [[وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف ١٥: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: معتدلٌ عند الله منكم، [[انظر تفسير" سواء" فيما سلف من فهارس اللغة (سوى) .]] أيها الناس، الذي أسر القول، [[انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] والذي جهر به، [[انظر تفسير" الجهر" فيما سلف ٩: ٣٤٣ - ٣٤٩، ٣٥٨ /١١: ٣٦٨ / ١٣: ٣٥٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله="وسارب بالنهار"، يقول: وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواء عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى.

* *

يقال منه:"سَرَبَ يَسْرَبُ سُرُوبًا" إذا ظهر، كما قال قيس بن الخطيم:

أَنَّى سَرَيْتِ وَكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ... وَتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْر قَرِيب [[ديوانه: ٥، واللسان (سرب) وغيرها كثير. ويروى" سربت" بالباء الموحدة أيضًا وقوله:" غير سروب"، أي: غير مبعدة في مذهبك، أو كما قال أبو جعفر في تفسيره بعد.]]

يقول: كيف سريت بالليل [على] بُعْد هذا الطريق، [[الزيادة بين القوسين لا بد منها لتصحيح معنى الكلام.]] ولم تكوني تبرُزين وتظهرين؟

وكان بعضهم يقول: هو السَّالك في سَرْبه: أي في مذهبه ومكانه. [[أرجح أنه يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٢٣، ولكن لفظه:" سالك في سربه، أي مذاهبه ووجوهه"، وهو أجود مما في التفسير، وأخشى أن يكون من تحريف الناسخ أو سهوه.]]

واختلف أهل العلم بكلام العرب في"السّرب".

فقال بعضهم:"هو آمن في سَرْبه"، بفتح السين.

وقال بعضهم:"هو آمن في سِرْبه" بكسر السين.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢٠٢- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار﴾ ، يقول: هو صاحبُ ريبة مستخف بالليل. وإذا خرج بالنهار أرَى الناس أنه بريء من الإثم.

٢٠٢٠٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وسارب بالنهار﴾ ، ظاهر.

٢٠٢٠٤- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن أبي رجاء، في قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار) قال: إن الله أعلم بهم، سواء من اسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.

٢٠٢٠٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ قال: من هو مستخف في بيته= ﴿وسارب بالنهار﴾ ، ذاهب على وجهه. علمه فيهم واحدٌ.

٢٠٢٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به﴾ ، يقول: السر والجهر عنده سواء= ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ أما"المستخفي" ففي بيته، وأما"السارب": الخارج بالنهار حيثما كان. المستخفي غَيْبَه الذي يغيب فيه والخارجُ، عنده سواء.

٢٠٢٠٧- ... قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا شريك، عن خصيف، في قوله: ﴿مستخف بالليل﴾ قال: راكب رأسه في المعاصي= ﴿وسارب بالنهار﴾ قال: ظاهر بالنهار.

٢٠٢٠٨- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به﴾ كل ذلك عنده تبارك وتعالى سواء، السر عنده علانية= قوله: ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ ، أي: في ظلمه الليل، و"سارب": أي: ظاهر بالنهار.

٢٠٢٠٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد وعكرمة: ﴿وسارب بالنهار﴾ قال: ظاهر بالنهار.

* *

و"مَنْ" في قوله: ﴿من أسرّ القول ومَنْ جهر به ومَنْ هو مستخف بالليل﴾ رفع الأولى منهن بقوله:"سواء". والثانية معطوفة على الأولى، والثالثة على الثانية.