Tafseer Al Qurtubi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafseer Al Qurtubi tafsir for Surah Al-Furqan — Ayah 59

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢١٨ فما بعد.]]. وَ "الَّذِي" "فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلْحَيِّ. وَقَالَ:" بَيْنَهُما" وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَهُنَّ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الصِّنْفَيْنِ وَالنَّوْعَيْنِ وَالشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِ الْقُطَامِيِّ: أَلَمْ يَحْزُنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ قد تباينتا انقطاء أَرَادَ وَحِبَالَ تَغْلِبَ فَثَنَّى، وَالْحِبَالُ جَمْعٌ، لِأَنَّهُ أراد الشيئين والنوعين.

(الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) قَالَ الزُّجَاجُ: الْمَعْنَى فَاسْأَلْ عَنْهُ. وَقَدْ حَكَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْبَاءَ تَكُونُ بِمَعْنَى عَنْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [[راجع ج ١٨ ص ٢٧٨.]] " وَقَالَ الشَّاعِرُ:

هلا سألت الخيل يا بنة مَالِكٍ ... إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي»

وَقَالَ [عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ] [[في نسخ الأصل: "وقال امرؤ القيس" وهو تحريف. والبيت من قصيدة لعلقمة مطلعها:

طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ ... بُعَيْدَ الشباب عصر حان مشيب]]:

فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... خَبِيرٌ [[يروى: بصير أى عليم]] بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ

أَيْ عَنِ النِّسَاءِ وَعَمَّا لَمْ تَعْلَمِي. وَأَنْكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: أَهْلُ النَّظَرِ يُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ، لِأَنَّ فِي هَذَا إِفْسَادًا لِمَعَانِي قَوْلِ الْعَرَبِ: لَوْ لَقِيَتْ فُلَانًا لَلَقِيَكَ بِهِ الْأَسَدُ، أَيْ لَلَقِيَكَ بِلِقَائِكَ إِيَّاهُ الْأَسَدُ. الْمَعْنَى فَاسْأَلْ بِسُؤَالِكَ إِيَّاهُ خَبِيرًا. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُبَيْرُ: الْخَبِيرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. فَ "خَبِيراً" نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ بِالسُّؤَالِ. قُلْتُ: قَوْلُ الزَّجَّاجِ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهٍ حَسَنٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْخَبِيرُ غَيْرَ اللَّهِ، أَيْ فَاسْأَلْ عَنْهُ خَبِيرًا، أَيْ عَالِمًا بِهِ، أَيْ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَاسْأَلْ لَهُ خَبِيرًا، فَهُوَ نصب عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الْمُضْمَرَةِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَلَا يَحْسُنُ حَالًا إِذْ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْحَالُ مِنَ السَّائِلِ أَوِ الْمَسْئُولِ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، لِأَنَّ الْخَبِيرَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ. وَلَا يَكُونُ مِنَ الْمَفْعُولِ، لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ وَهُوَ الرَّحْمَنُ خَبِيْرٌ أَبَدًا، وَالْحَالُ فِي أَغْلَبِ الْأَمْرِ يَتَغَيَّرُ وَيَنْتَقِلُ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهَا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، مِثْلُ:" وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [[راجع ج ٢ ص ٢٩]] "فَيَجُوزُ. وَأَمَّا" الرَّحْمنُ "فَفِي رَفْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الْمُضْمَرِ الَّذِي فِي" اسْتَوى ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنَى هُوَ الرَّحْمَنُ. وَيَجُوزُ أَنْ يكون مرفوعا بالابتداء وخبره "فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً". وَيَجُوزُ الْخَفْضُ بِمَعْنَى وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ الرَّحْمَنِ، يَكُونُ نَعْتًا. ويجوز النصب على المدح.