Mawsoo'at Al-Tafsir Al-Ma'thoor

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Mawsoo'at Al-Tafsir Al-Ma'thoor tafsir for Surah Al-Qasas — Ayah 78

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨

﴿قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ﴾ - تفسير

٥٩٢٧٨- عن كعب الأحبار -من طريق يحيى بن ميمون الحضرمي- قال: لَمّا أمر الله ﷿ موسى ﵇: أنْ أسرِ ببني إسرائيل. أمره أن يحمل معه عظامَ يوسف ﵇، فلم [يدرِ] موسى ﵇ أين موضع قبره، وكانت امرأة من بني إسرائيل يُقال لها: سراج، فكانت كلما حضر أجلها مدَّ الله تعالى في عمرها إلى أن أدركت موسى ﵇، فقالت لموسى: أنا أخبرك بموضع قبر يوسف، على أن تعطني ثلاث خصال، قال: وما هي؟ قالت: تدعو الله تعالى أن يرُدَّ شبابي كما كنت أولًا. قال: لك ذلك. قالت: وتحملني معك. قال: لك ذلك. قالت: وأكون معك في درجتك يوم القيامة. قال: فبكى موسى ﵇، فأوحى الله إليه: أن الجنة بيدي، فأعطِها ما سألت. فقال موسى ﵇: لكِ ذلك. قالت: فإنّ قبره في هذه الجزيرة، وقد غلبه الماء. قال: فأخذ موسى قِحْفَيْن[[قِحْفَين: مثنى قِحْف: وهو الذي فوق الدِّماغ. النهاية (قحف).]]، فكتب عليهما اسم الله الأعظم، ثم ألقى أحد القِحْفَيْن في جانب الجزيرة، وألقى القِحْفَ الآخر في الجانب الآخر، فانحسر الماء عن الجزيرة، فقالت المرأة: هنا موضع قبره. فابتدره الشبان، فوجدوا يوسف ﵇ في تابوت مِن مرمر، فاحتملوه، فحملوه معه، قال: وقارون يرمق القِحْفَين، فأخذهما، فكان لا يمر بموضع كنز إلا وضع القِحْفَين عليه، فانشقت الأرض، فاستخرج الكنز منه، فذلك قوله: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾، يعني به: القحفين، وما كان علم قبل ذلك شيئًا[[أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٦/٢٧.]]. (ز)

٥٩٢٧٩- قال سعيد بن المسيب: كان موسى يُعَلِّم الكيمياء، فعَلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم، وعلَّم كالب بن يوقنا ثلثه، وعلَّم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان ذلك سبب أمواله[[تفسير الثعلبي ٧/٢٦٢، وتفسير البغوي ٦/٢٢٢.]]٤٩٩٥. (ز)

٤٩٩٥ اختلف في العلم المعني في قوله: ﴿على علم عندي﴾ على قولين: فقال قوم: علم من الله بحال قارون. الثاني: علم قارون بالكيمياء.

ووجَّه ابنُ جرير (١٨/٣٢٦) قوله: ﴿عندي﴾ على القول الأول أنها بمعنى: أرى. كأنه قال: إنما أُعطِيت لفضل علمي فيما أرى.

وبنحوه ابنُ عطية (٦/٦١٤).

ورجَّح ابنُ كثير (١٠/٤٨٣-٤٨٤) القول الأول مستندًا إلى ظاهر سياق الآية، فقال: «والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى رادًّا عليه فيما ادَّعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا وما كان ذلك عن محبة مِنّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ أي: لكثرة ذنوبهم».

وانتقد ابنُ تيمية (٥/٨٩) القول الثاني الذي قاله ابن المسيب مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا باطِلٌ؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمَّن لا يُسمى، وفي تفسير الثعلبي الغث والسمين؛ فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾، فأخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة».

وكذا انتقد ابنُ كثير القول الثاني مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة، والعقل، فقال: «وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله ﷿، قال الله: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج:٧٣]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة». وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بِمَن يدَّعي أنه يُحِيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذِب وزغل وتمويه، وترويجٌ أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعيٍّ أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفّاكون، فأما ما يُجْريه اللهُ تعالى مِن خرق العوائد على يدي بعض الأولياء مِن قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك فهذا أمرٌ لا يُنكره مسلم، ولا يرُدُّه مؤمن، ولكن هذا ليس مِن قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله».

وذكر ابنُ كثير قولًا ثالثًا: أنّ العلم الذي كان عند قارون هو علمه باسم الله الأعظم.

وذكر ابنُ عطية (٦/٦١٤) قولين آخرين: أحدهما: أن العلم الذي كان عنده هو علم التجارات وتمييز الأموال. والآخر: علم التوراة وحفظها. ثم ذكر أنّ قوله تعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يرجح أن قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه.

٥٩٢٨٠- عن قتادة بن دعامة -من طرقٍ- في قوله: ﴿قال إنما أوتيته على علم عندي﴾، يقول: على خير عندي، وعلم عندي[[أخرجه ابن جرير ١٨/٣٢٥ من طريق معمر، وابن أبي حاتم ٩/٣٠١٢ من طريق سعيد. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١١/٥١١)

٥٩٢٨١- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾، يقول: عَلِم الله أنِّي أهلٌ لذلك[[أخرجه ابن أبي حاتم ٩/٣٠١٢.]]. (١١/٥١١)

٥٩٢٨٢- قال مقاتل بن سليمان: فردَّ قارونُ على قومه حين أمروه أن يُطيع الله ﷿ في ماله، وفيما أمره، فـ﴿قال﴾ لهم: ﴿إنما أوتيته﴾ يعني: إنما أعطيته، يعني: المال ﴿على علم عندي﴾ يقول: على خير علمه الله ﷿ عندي[[تفسير مقاتل بن سليمان ٣/٣٥٦.]]. (ز)

٥٩٢٨٣- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ قال: لولا رضا الله عنِّي ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا. وقرأ: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ الآية[[أخرجه ابن جرير ١٨/٣٢٦، وابن أبي حاتم ٩/٣٠١٢ من طريق أصبغ.]]٤٩٩٦. (ز)

٤٩٩٦ ذكر ابنُ كثير (١٠/٤٨٤) أن ابن زيد أجاد في تفسير الآية.

٥٩٢٨٤- قال يحيى بن سلّام: قال قارون: ﴿إنما أوتيته﴾ أعطيته، يعني: ما أُعطي من الدنيا ﴿على علم عندي﴾ أي: بقوتي وعلمي. وهي مثل قوله: ﴿ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم﴾ قال الله: ﴿بل هي فتنة﴾ [الزمر:٤٩] بلِيَّة. ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾[[تفسير يحيى بن سلّام ٢/٦٠٩.]]. (ز)

﴿أَوَلَمۡ یَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرُ جَمۡعࣰاۚ﴾ - تفسير

٥٩٢٨٥- قال مقاتل بن سليمان: يقول الله ﷿: ﴿أولم يعلم﴾ قارونُ ﴿أن الله قد أهلك﴾ بالعذاب ﴿من قبله من القرون﴾ حين كذَّبوا رسلَهم ﴿من هو أشد منه﴾ مِن قارون ﴿قوة﴾ وبطشًا، ﴿وأكثر جمعا﴾ مِن الأموال؛ منهم نمروذ الجبار وغيره[[تفسير مقاتل بن سليمان ٣/٣٥٦.]]. (ز)

٥٩٢٨٦- قال يحيى بن سلّام: ﴿أولم يعلم﴾ قارونُ، أي: بلى قد علم، وهذا على الاستفهام، ﴿أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ مِن الجبابر والرجال[[تفسير يحيى بن سلّام ٢/٦٠٩.]]. (ز)

﴿وَلَا یُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ۝٧٨﴾ - تفسير

٥٩٢٨٧- عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي نجيح- في قوله: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، قال: كقوله: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن:٤١]، سود الوجوه، زرق، الملائكة لا تسأل عنهم؛ قد عرفتهم[[أخرجه ابن جرير ١٨/٣٢٧، وابن أبي حاتم ٩/٣٠١٣. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١١/٥١٢)

٥٩٢٨٨- قال الحسن البصري: لا يُسأَلون سؤال استعلام، وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ[[تفسير الثعلبي ٧/٢٦٣، وتفسير البغوي ٦/٢٢٢.]]. (ز)

٥٩٢٨٩- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، قال: المشركون، لا يُسأَلون عن ذنوبهم، ولا يُحاسَبون؛ لدخول النار بغير حساب[[أخرجه عبد الرزاق ٢/٩٤، وابن جرير ١٨/٣٢٧، وابن أبي حاتم ٩/٣٠١٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. (١١/٥١١)

٥٩٢٩٠- عن محمد بن كعب القرظي -من طريق موسى بن عبيدة- ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، قال: عن ذنوب الذين مضوا؛ فيمَ أُهلكوا؟[[أخرجه ابن جرير ١٨/٣٢٧، وابن أبي حاتم ٩/٣٠١٣ بلفظ: الذين كانوا قبلهم عما أهلكوا، وعن منزلهم فيعتبروا، ولكنهم يكونون على ما كانوا عليه من العبرة.]]٤٩٩٧. (ز)

٤٩٩٧ ذكر ابنُ جرير (١٨/٣٢٨) أن الضمير في قوله: ﴿عن ذنوبهم﴾ -على هذا القول الذي قاله محمد بن كعب، ومقاتل- يعود على مَن أُهلِك من القرون.

وعلَّق ابنُ عطية (٦/٦١٤) على هذا القول بقوله: «أي: أُهلِكوا، ولم يُسأَل غيرُهم بعدهم عن ذنوبهم، أي: كل واحد إنما يسأل ويعاقب بحسب ما يخصه».

٥٩٢٩١- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- قوله: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، قال: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا، فبيِّنوها لنا، ولكن أُعطوها في كُتُب، فلم يشكوا الظلم يومئذ، ولكن شكوا الإحصاء[[أخرجه ابن أبي حاتم ٩/٣٠١٣.]]. (ز)

٥٩٢٩٢- قال مقاتل بن سليمان: ثم قال ﷿: ﴿ولا يسال عن ذنوبهم المجرمون﴾، يقول: ولا يسأل مُجرِمو هذه الأمة عن ذُنوب الأمم الخالية الذين عُذِّبوا في الدنيا، فإن الله ﷿ قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعَلِمَها[[تفسير مقاتل بن سليمان ٣/٣٥٦.]]. (ز)

٥٩٢٩٣- قال يحيى بن سلّام: قال الله: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ المشركون ليعلم ذنوبهم منهم، يُعرَفون بسواد وجوههم، وزُرقة أعينهم. مثل قوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (٣٩) فبأي آلاء ربكما تكذبان(٤٠) يعرف المجرمون بسيماهم﴾ بسواد وجوههم، وزرقة أعينهم ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن:٣٩-٤١][[تفسير يحيى بن سلّام ٢/٦١٠.]]٤٩٩٨. (ز)

٤٩٩٨ اختُلِف في عود الضمير في قوله: ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ على قولين: الأول: أنه يعود للمجرمين. الثاني: يعود على مَن أهلك من الأمم السابقة.

ورجح ابنُ جرير (١٨/٣٢٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، وانتقد الثاني الذي قاله محمد بن كعب، ومقاتل، فقال: «وهي بأن تكون مِن ذكر المجرمين أولى؛ لأن الله -تعالى ذكره- غير سائل عن ذنوب مذنب غير من أذنب، لا مؤمن ولا كافر. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أنه لا معنى لخصوص المجرمين، لو كانت الهاء والميم اللتان في قوله: ﴿عن ذنوبهم﴾ لمن الذي في قوله: ﴿من هو أشد منه قوة﴾ من دون المؤمنين، يعني: لأنه غير مسؤول عن ذلك مؤمن ولا كافر، إلا الذين ركبوه واكتسبوه».

وساق ابنُ عطية (٦/٦١٤-٦١٥) القولين، ثم علَّق قائلًا: «وفي كتاب الله تعالى آيات تقتضي أن الناس يوم القيامة يسألون، كقوله تعالى: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات:٢٤] وغير ذلك، وفيه آيات تقتضي أنه لا يسأل أحد، كقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩] وغير ذلك، ويمكن أن تكون الآيات التي توجب السؤال إنما يراد بها أسئلة التوبيخ والتقرير، والذي ينفيه يراد به أسئلة الاستفهام على جهة الحاجة إلى علم ذلك من المسؤولين، أي: أن ذلك لا يقع؛ لأن العلم بهم محيط، وسؤال التوبيخ غير معتدٍّ به».