Tafsir Ibn Al-Jawzi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Jawzi tafsir for Surah Az-Zumar — Ayah 9

أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩ قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ،

صفحة ١٦٦

والمُفَضَّلُ عَنِ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "أمِنَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ. فَأمّا المُشَدَّدَةُ، فَمَعْناها: أهَذا الَّذِي ذَكَرْنا خَيْرٌ، أمَّنْ هو قانِتٌ؟ والأصْلُ في "أمَّنْ": أمْ مَن، فَأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ. وأمّا المُخَفَّفَةُ، فَفي تَقْدِيرِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى النِّداءِ. قالَ الفَرّاءُ: فَسَّرَها الَّذِينَ قَرَؤُوا بِها فَقالُوا: يا مَنَ هو قانِتٌ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والعَرَبُ تَدْعُو بِالألْفِ كَما تَدْعُو بِياءٍ، فَيَقُولُونَ: يا زَيْدُ أقْبِلْ، وأزَيْدُ أقْبِلْ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ ذَكَرَ النّاسِي الكافِرَ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ الصّالِحِ بِالنِّداءِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَصُومُ ولا يُصَلِّي، فَيا مَنَ يَصُومُ أبْشِرْ.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَها: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن لَيْسَ بِقانِتٍ؟!

والثّالِثُ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟!

وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُنُوتِ في [البَقَرَةِ: ١١٦] ومَعْنى ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ في [آَلِ عِمْرانَ: ١١٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ. وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

صفحة ١٦٧

والثّانِي: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والثّالِثُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ، وصُهَيْبٌ، وأبُو ذَرٍّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والخامِسُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابُ الآَخِرَةِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "يُحَذِّرُ عَذابَ الآَخِرَةِ" بِزِيادَةِ "عَذابِ" .

﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ

صفحة ١٦٨

والعُقابَ حَقٌّ ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في [الرَّعْدِ: ١٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في [النَّحْلِ: ٣٠] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ حَثَّ لَهم عَلى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ. والثّانِي: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ رَغَّبَهم فِيها.

﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما نالَهم ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ:يُعْطَوْنَ عَطاءً كَثِيرًا أوْسَعَ مِن أنْ يُحْسَبَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ، لا عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.