ولَمّا بَيَّنَ ما أمَرَ بِهِ؛ وأعْلَمَ أنَّهُ يَخافُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ لَهُ بِذَلِكَ؛ فَأفْهَمَ أنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِما أُمِرَ بِهِ؛ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ لِلتَّصْرِيحِ (p-٤٧٥)مِنَ المَزِيَّةِ ما لا يَخْفى؛ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ؛ ﴿أعْبُدُ﴾؛ تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ؛ لا أنْحُو أصْلًا بِالعِبادَةِ نَحْوَ غَيْرِهِ أبَدًا؛ ﴿مُخْلِصًا لَهُ﴾؛ وحْدَهُ؛ ﴿دِينِي﴾؛ أيْ: امْتِثالًا لِما أُمِرْتُ بِهِ؛ فَلا أشِينُهُ بِشائِبَةٍ أصْلًا؛ لا طَلَبًا لِجَنَّةٍ؛ ولا خَوْفًا مِن نارٍ؛ فَإنَّهُ قَدْ غَفَرَ لِي ما تَقَدَّمَ؛ وما تَأخَّرَ؛ فَصارَتْ عِبادَتِي لِأجْلِ وجْهِهِ؛ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ خاصَّةً؛ شَوْقًا إلَيْهِ؛ وحُبًّا لَهُ؛ وحَياءً مِنهُ؛ وأمّا الرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - والخَوْفُ مِن سَطْواتِهِ الَّتِي جِماعُها قَطْعُ الإحْسانِ؛ الَّذِي هو عِنْدَ الأغْبِياءِ أدْنى ما يُخافُ؛ فَإنَّما خَوْفِي لِأجْلِ إعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ؛ وعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ.