ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ فِيهِ عاقِلٌ، بَيَّنَ سَبَبَهُ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلَيْهِ بِقَهْرِ يَدِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿يُؤْفَكُ﴾ أيْ: يُصْرَفُ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، ويُقْلَبُ مِن وجْهِهِ لِقَفاهُ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: يَصْدُرُ صَرْفُهُ عَنْ هَذا القَوْلِ مَجازًا لِما يَلْزَمُهُ مِن عارِهِ، فَهو لِأجْلِ ذَلِكَ يَقُولُهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ أيْ: قَلَبَهُ قَلْبٌ قاهِرٌ؛ أيْ تَبَيَّنَ بِهَذا الصَّرْفِ الَّذِي هو أعْظَمُ الصَّرْفِ أنَّهُ حَكَمَ في الأزَلِ حُكْمًا ثابِتًا جامِعًا، فَصارَ لا يَصُدُّ عَنْهُ قَوْلٌ ولا فِعْلٌ إلّا كانَ مَقْلُوبًا وجْهُهُ إلى قَفاهُ (p-٤٥٣)لا يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ مِنهُ بِشَيْءٍ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّهُ لا مَأْفُوكَ سِواهُ لِشِدَّةِ إفْكِهِ وعَجِيبِ أمْرِهِ.