ولَمّا كانَ مَن فَعَلَ كَذَلِكَ فَظَهَرَ لَهُ فَسادُ رَأْيِهِ ووَقَفَ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ يَصِيرُ يَعْبِسُ ويَفْعَلُ أشْياءَ تَتَغَيَّرُ لَها خِلْقَتُهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ قالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَبَ وجْهُهُ وكَلَحَ فَتَرْبَدَ وجْهُهُ مَعَ تَقَبُّضِ جِلْدِهِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ بِكَراهَةٍ شَدِيدَةٍ كالمُتَّهَمِ المُتَفَكِّرِ في شَيْءٍ وهو لا يَجِدُ فِيهِ فَرَجًا لِأنَّهُ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ فِيما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَطْعَنًا ﴿وبَسَرَ﴾ اتِّباعٌ لَعَبَسَ تَأْكِيدًا لَها، ورُبَّما أفْهَمَتْ أنَّهُ سَبَرَ ما قالَهُ ووَزَنَهُ بِمِيزانِ الفِكْرِ وتَتْبَّعَهُ تَتَبُّعًا مُفْرِطًا حَتّى رَسَخَتْ فِيهِ قَدَمُهُ، كَذا قالُوا إنَّها اتِّباعٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدُ وإلّا فَقَدْ ورَدَتْ مُفْرَدَةً، قالَ في القامُوسِ: بَسَرَ - إذا عَبَسَ، وبَسَرَ الحاجَةَ: طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها، وبَسَرَ الدِّينَ: تَقاضاهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا طالَ عَلَيْهِ التَّفْكِيرُ صارَ يَسْتَعْجِلُ حُصُولَهُ إلى مُرادِهِ، ويُقالُ: بَسَرَ - إذا ابْتَدَأ الشَّيْءَ، فَكَأنَّهُ لَمّا عَبَسَ خَطَرَ لَهُ السِّحْرُ فابْتَدَأ في إبْداءٍ ما سَنَحَ لَهُ مِن أمْرِهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: (p-٥٥)البُسُورُ هَيْئَةٌ في الوَجْهِ تَدُلُّ عَلى تَحَزُّنٍ في القَلْبِ.