ولَمّا عَبَّرَ عَنْهم بِما (p-٢٠٧)أفْهَمَ أنَّهم أُولُو القُوَّةِ والجِدِّ في الأعْمالِ، والبَرَكَةِ في جَمْعِ الأحْوالِ، ذَكَرَ عَيْشَهم بادِئًا بِالفاكِهَةِ لِأنَّ عَيْشَ الجَنَّةِ كُلَّهُ تَفَكُّهٌ، ذاكِرًا مِنها ما يَنْبُتُ في بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ بِغَرْسٍ ولا خِدْمَةٍ، وأشارَ إلى كَثْرَةِ ما يَذْكُرُهُ بِأنْ جَعَلَهُ ظَرْفَهُمْ، فَقالَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِسَرِيرِ المُلْكِ الَّذِي حَبا بِهِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلِكِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وما مَعَهُ بِما يُتَصَوَّرُ لِلْبَهائِمِ: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ أيْ شَجَرِ نَبْقٍ مُتَدَلِّي الأغْصانِ مِن شِدَّةِ حَمْلِهِ، مِن سَدَرَ الشَّعْرَ - إذا سَدَلَهُ ﴿مَخْضُودٍ﴾ أيْ هو مَعَ أنَّهُ لا شَوْكَ لَهُ ولا عَجَمَ بِحَيْثُ تَنْثَنِي أغْصانُهُ مِن شِدَّةِ الحَمْلِ، مِن خَضَدَ الشَّوْكَ: قَطَعَهُ، والغُصْنَ: ثَناهُ وهو رَطْبٌ، وفي ذِكْرِ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا نَفْعَ فِيهِ أوْ فِيهِ نَوْعُ أذًى لَهُ في الجَنَّةِ وُجُودٌ كَرِيمٌ لِأنَّ الجَنَّةَ إنَّما خُلِقَتْ لِلنَّعِيمِ.