ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الثّانِيَةَ النُّطْفِيَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ بِخِلافِ ما يَعْلَمُونَ كانُوا كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِهَذا العِلْمِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أيْ أيُّها العَرَبُ ﴿النَّشْأةَ الأُولى﴾ التُّرابِيَّةَ لِأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أوِ اللَّحْمِيَّةَ لِأُمِّكم حَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَبِيعَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وإلّا لَوُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، والنُّطْفِيَّةُ لَكُمْ، وكُلٌّ مِنها تَحْوِيلٌ مِن شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ، فالَّذِي شاهَدْتُمْ قُدْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْوِيلِكم بَعْدَ أنْ تَصِيرُوا تُرابًا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ أوَّلًا مِنَ الصُّورَةِ؟ ولِهَذا سَبَّبَ عَمّا تَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ فَهَلّا ولِمَ لا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا عَظِيمًا تُكْرِهُونَ أنْفُسَكم وإنْ كانَ فِيهِ خَفاءٌ ما -مِمّا أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ مِن أنَّ المَلُومَ عَلَيْهِ غَيْبٌ، وكَذا (p-٢٢٣)بَعْضُ ما قِيسَ بِهِ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الإبْداءاتِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ، بَلْ هي أهْوَنُ في مَجارِي عاداتِكم.